THOUSANDS OF FREE BLOGGER TEMPLATES

Search This Blog

June 05, 2009

وجـــه أوبـامــا


د. مأمون فندى يكتب:
وجـــه أوبـامــا
٤/ ٦/ ٢٠٠٩

في لقاء مع شبكة الأخبار الأمريكية (سي. إن. إن)، سألتني مقدمة البرنامج الصباحي زين فيرجي، عن أهم ما في زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوبـامــا للشرق الأوسط، قلت لها ودونما تفكير أو تردد، إنه وجه أوبـامــا، لا شيء غيره. زيارة أوبـامــا إلى مصر ربما هي الزيارة الثالثة لرئيس أمريكي لمصر في التاريخ القريب الذي يذكره الأحياء، بعد زيارة الرئيس الراحل نيكسون لمصر في السبعينيات من القرن الماضي، هذا إذا اعتبرنا زيارة جورج بوش الابن القصيرة إلى شرم الشيخ والتي لم تتجاوز الساعات الثلاث في عداد الزيارات، وإذا تجاهلنا زيارة روزفلت الليلية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وجه نيكسون، كما وجه روزفلت، كان وجه «الخواجة» الأبيض المرتبط في الذهنية المصرية بوجه الاستعمار والاحتلال، أما وجه أوبـامــا فهو يشبه الكثير من وجوه عباد الله السائرين في شوارع القاهرة، وربما تندهش ميشيل أوبـامــا، زوجة الرئيس الأمريكي، من رؤية هذا الكم الهائل من البشر الذين يشبهون زوجها في مصر.

أما ميشيل أوبـامــا فهي تشبه نصف بنات الصعيد الجواني، دعك عن بنات الخليج والسودان والسنغال ومسلمي أفريقيا، لكن حظنا التعيس في مصر كتب علينا أن نشاهد على تليفزيوناتنا الوجه الأبيض من بقايا الأتراك والشركس، وترسخت صورتهم لتصبح رمزا للجمال. ميشيل تشبه الكثيرات من بنات قبلي، وزوجها يشبه نصف الشباب في مصر وفي العالم العربي.

مجرد مرور أوبـامــا وميشيل في العالم العربي سيمنح كثيرًا من الشباب والأطفال، الأمل في أن يكونوا شيئـًا ما في يوم من الأيام، ويقتنعون بأن كل شيء ممكن، ربما رؤية هذين الوجهين الأسمرين ساعات في مصر قد تمنح الغلابة ثقــةً في أنفسهم وفي وجوههم وملامحهم، خصوصـًا إذا عرفنا أن الغرب يضع ميشيل أوبـامــا ضمن أجمل مائة امرأة في العالم.

رئيس أمريكي يشبهنا .. قد يكون الأمر مُربِكًا لثقافة تعودت أن تنظر بعين الإكبار للرجل الأبيض، ربما لا يرى البعض منا في أوبـامــا رئيسـًا حقيقيـًا للولايات المتحدة الأمريكية .. ببساطة لأنه يشبه وجوهنا نحن الذين جار الزمن كثيرًا على معظمنا، لدرجة لم نعد نرى فيها أن هناك شيئـًا ما فينا يبعث على الأمل، لم نتعود أن تسود وجوهنا المشهد، وبالتالي يصعب علينا أن نرى في مَن يشبهوننا رمزًا لقيادة عالمية، فأوبـامــا يشبه وجه الشاب النوبي الذي يقدم الطعام في الفنادق، أو البواب الصعيدي الذي يقف على مدخل العمارة، وأظن أن الكثير من الأمهات المصريات سوف يعقدن المقارنة بين وجوه أطفالهن التي لم يكن يرين فيها رمزا للوسامة أو النجاح وبين وجه أوبـامــا.. ولكن لنتذكر أنه الرئيس الأمريكي فعلا الذي يقود أكبر وأقوى دولة في العالم، وأن وجوهنا أيضا تصلح لأن تكون في موقع صناعة القرار العالمي.

قد يقلب أوبـامــا نظره في القاعة أثناء خطابه في جامعة القاهرة ليرى عشرات الوجوه ممن يشبهونه أو يشبهون أقاربه، وقد يخلق هذا عنده إحساسا فطريا بالقرب، هذه الأحاسيس والانطباعات يجب ألا نقلل من قيمتها في عالم السياسة، فنحن في الغالب كبشر نتعاطف مع الوجوه التي تشبهنا.

المراقب من الخارج لحال العالمين العربي والإسلامي، لا تفوته ملاحظة أن الصوت الأعلى في هذين العالمين هو الذي يرى أن أمريكا لا يأتي منها سوى الشر، الأغلبية التي ترى في الشراكة مع أمريكا خيرًا يعود على العالم العربي أو العالم الإسلامي، هي أغلبية مرتاحة لا تحتاج إلى علو الصوت أو الزعيق .. إعلام التعبئة خلق حالة من الكراهية بين أمريكا والعالم الإسلامي .. جزء من هذه الكراهية مرتبط بالعالم الإسلامي وطبيعته السياسية، وجزء آخر يتحمل الأمريكان المسؤولية الكبرى عنه. هذا هو السياق الذي سيلقى باراك أوبـامــا كلمته فيه، أي في جو يكون فيه الحوار حول أمريكا والعالم الإسلامي بمجمله سلبيــًا.

من المهم أن يعرف الرئيس الأمريكي أن خلطـًا كبيرًا قد حدث في العالم الإسلامي بين أمريكا وإسرائيل، إذ لم يعد الخط الفاصل بينهما موجودًا في أذهان العوام. وفك الارتباط بين صورة أمريكا وصورة إسرائيل في الذهنية العربية والإسلامية عمومـًا هو التحدي الذي يواجه الرئيس الأمريكي في خطابه المقبل في القاهرة.

وإن لم يتطرق الرئيس الأمريكي لهذه الجزئية في خطابه، يكون قد فشل في إبلاغ رسالته إلى العالم الإسلامي. ومن المهم أيضـًا أن يدرك الرئيس الأمريكي الجديد أن الصراع العربي – الإسرائيلي هو بؤرة كل الصراعات، وهو مفتاح الإصلاح في الداخل والخارج. حل القضية الفلسطينية سيوفر على أمريكا عناءً وجهدًا كبيرين في إصلاح المنطقة، لأنه متى سُحبت ورقة فلسطين من الجماعات المتطرفة ومن الحكومات الاستبدادية، سيتغير الحال.

قد يغفر العرب والمسلمون لرؤساء من «الخواجات» البيض عدم تعاطفهم مع قضايا مثل فلسطين، ولكنهم لن يغفروا ذلك لرئيس أمريكي اسمه الثاني حسين، ووجهه وكذلك وجه زوجته يشبهان وجوهنا .. وجها أوبـامــا (الرئيس والزوجة) مكسب لأمريكا في العالمين العربي والإسلامي، ولكنهما وجهان لهما فاتورة لابد من دفعها.