THOUSANDS OF FREE BLOGGER TEMPLATES �

Search This Blog

November 23, 2010

حتـــى لا تكـــون فتنــــــة .... 4

(4)


يأتي الباب الرابع والأخير ليصارحنــا فهمي هويدي فيه ببعض الأزمات والمشكلات التي تمر بهـا مصر حاليـًا .. يحدثنـا في الفصل الأول عن "الرهــان المعلق" بمشاركة الإسلاميين في انتخابات مجلس الشعب المصري، وكيف أن مختلف عواصم العالم المعنية بالشرق الأوسط أو بالظاهرة الإسلامية عمومـًا ترصد وترقب ما يحدث في القاهرة إزاء مشاركة الحركة الإسلامية بهذه الكثافــة في الحيــاة النيابيــة، ويرى هويدي أن مثل تلك الخطوة تمثل نقلة نوعية هامة في أدوار القوى المختلفة على المسرح السياسي المصري، كما يمثل اختبارًا تاريخيـًا بالغ الأهمية للحركة الإسلامية لمصر، يستبشر بهـا خيرًا رغم ما يراوده من مخاوف يلفت نظرنـا إليهــا ألا وهي:

1) أن الإسلاميين ليســوا فقط أولئك الذين يمثلون جماعة الإخوان، ولكنهم كل من شُغل بالهم الإسلامي العام، وعمـل لأجله، وبهذا فإن دائرة الإسلاميين تتجاوز بكثير إطـار الجماعــة، وكذلك دائرة التحالف مع حزبي العمــل والأحــرار.
2) إن الإسلاميين بمختلف طبقاتهم ودرجاتهم لا يحتكرون الإسلام لحسابهم، كما أنهم ليســوا حجة على الإسلام بأي معيــار، فخطاب الإسلام موجه للناس كافــة، وباب العمل لأجله مفتوح بالتالي لكل الناس كافــة، بغير وصاية أو قوامة من أحد على أحد.
3) إن الإسلاميين الداخلين إلى مجلس الشعب بشــر، يختلفون في الفهم والمدارك، كما قد يختلفون في الطموحات والمصالح، ورغم أن الجميع يلتحفون بعبـاءة الإسلام، إلا أن ثمة تمايزًا في قسماتهم، ليس فقط بين الإخوان وخريجي المدارس الأخرى، ولكن بين خريجي مدرسة الإخوان أنفسهم.
4) إن هؤلاء الإسلاميين حديثو عهدٍ بممارسة العمل السياسي من خلال المؤسسات الدستورية الشرعية لأسباب معروفة، لذلك فقد لا تتوقع منهم إجادة كافية لقواعد اللعبة السياسية أو البرلمانية.

وعن أداء الإسلاميين من ممثلي تحالف (الإخوان، العمـل، الأحــرار) لا يستبعد هويدي أن تتراوح مواقفهم وممارساتهم بين محاور أربعــة:
1) خوض معارك الماضي (حساب جماعة الإخوان مع ثورة يوليو)
2) الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.
3) التركيز على مفاسد المجتمع ومباذله.
4) التركيز على مشاكل الوضع الراهن.
ويسجل هويدي رأيه في هذا الموضوع قائلاً بأن سلامة المنطق لا تتوفر إلا إذا دخلنــا إليه من باب الشــــــورى، فهمي تطبيق للإسلام في المجالين السياسي والدستوري. ومن هنـا يدعو هويدي الإسلاميين بترتيب الأولويات (حسن البنــا في كتابه "الدعــوة والداعيــة") فهؤلاء الذين يتصورون أنهم سوف يصلحون الكون دفعةً واحدة من تحت قبة البرلمــان "يملكون من حسن النيــة أكثر ممـا يملكون من الإدراك"، لذا فهو يشدد على ضرورة التدرج، وحتى يتم التدرج فلابد للأولويات أن تكون واضحــة، وحتى تبدو الأولويات واضحة فلابد لهـا الأخرى أن يقوم ترتيبهـا على حسن قراءة الواقع (مستشهدًا بآراء ابن القيم، وابن تيمية).

ثم يقودنـا هويدي إلى نقطة أخرى تتعلق بالممارسات الديمقراطية تحت قبة البرلمـان في الفصل الثاني "جراح انتخابيـة"، فينتقد تلك المعارك الانتخابية التي أصابت أمورًا أربعـة في مقتـل:
1) الوحدة الوطنيــة: فهي في النهج الإسلامي مما لا يُفرط فيه بأي حال (يستدل بقصة سيدنـا موسى – عليه السلام – وموقفه من أخيــه هارون الذي سكت على عبـادة "السامري" للعجل الذي صنعه، ودعوته القوم لعبادة ذلك العجــل) حيث وقعت نسبة غير قليلة من الكتابات المنتَقِدة لموقف الإسلاميين في المحظور، وسعت بقصد أو بغير قصد إلى تلغيم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، إذ خرجت المسـألة عن كونهـا نقد لبرنامج أو لأشخاص واتخذت هذه النقطــة صورة التخويف من الإسلام والتنفيذ من تطبيقه فضلاً عن الحط من شـأن تعاليمــه.
2) الانتمــاء الإسلامي: حيث أنه في سياق نقد الإسلاميين كان المحور الأساسي في المعالجــة يقوم على المنطوق التالي "كل متدين متطرف، وكل متطرف سفاح، وكل سفاح يجب أن يلفظه المجتمع" الأمر الذي يعتبره هويدي جرأة لا توصف، وبناءً عليه طولبت الأجهزة الأمنية للدولة بأداء واجبهـا التاريخي لتطهير الوطن من حفنة المتدينين الذين يهددون الاستقرار ويخوفون الســادة المستثمرين.
3) النظــام الإسلامي: فكمـا حدث في مسألة الانتماء الإسلامي، فإن الحوار تجاوِزُه حدود الصراع بين فرقاء يتنافسون في المعركة الانتخابية إلى توجيه مهــام النقد والتجريح للنظــام الإسلامي، فسمعنـا عن الحكم الإلهي، والخليفة المعصــوم، وظل الله في الأرض، وتكفير المعارضين وإهدار دمهم، وسيف الجلاد المُشهر في كل مكان. ويعلق هويدي على ذلك قائلاً بأنه "قد بُح صوت المسلمين وهم يقولون بأن ثمة تفرقــةٍ بين المصدر الإلهي للشريعة، والسند القانوني للنظام السياسي، وكونهـــا شريعة إلهيــة لا يعني بالضرورة أن الحكومة الإسلامية حكومة إلهية، ولكنها حكومة بشريــة، يملك أصغر الناس شأنــًا – بمقتضى الأوامر القرآنيــة – أن يتوجه أعلى الناس مقامـًا فيها، آمرًا بالمعروف وناهيـًا عن المنكر، والحاكم ليس إلا "أجيــرًا" بمقتضى عقد، للأمة أن تفسخه إذا أخل به، والسمع والطاعة له مرهونان بمدى التزامه بكتاب الله وسنة رسوله".
4) الدستـــــــور: حيث حاول البعض أن يسمم موقف الإسلاميين فيه بدعـوى أنهم يتبنون الدعـوة إلى إسقاطه لأنه دستور غير إسلامي (رد الدكتور عمــارة على تلك الفرية في مقاله "بل معركة تطبيق الدستور"، وحسن البنــا في رسالته "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي").

نقطة أخرى يراها هويدي جديرة بالمناقشة والمراجعـة وهي وضع الإسلاميين على مسرح العمـل العـام في مصر، السياسي وغيره، حيث يقول أن الدين مكوِّن أساسي في هذا المجتمع، لا يمكن تجاهله أو إنكاره، ولم يعد مقبولاً بحكم العقل أو بحساب المصلحة الوطنية الخالصة أن يبقى التيـار الإسلامي منفيــًا من الواقع، ومحذوفـًا من الشرعية، وساقطـًا من خريطة القوى السياسية خصوصًا وأنه قد أضحى ظاهرةً متنامية على مستوى العالم ككل، موضحـًا أنهم دخلوا ساحة الانتخاب من باب اللاشرعية القانونية، والتي هي مفروضة، لا طوعية، والمنطق الرشيد يدعونا إلى ضرورة إفساح هذا المجـال لهذا التيــار ليجد مكانه في ظل القانون والشرعية، وهؤلاء الكتاب "الديمقراطيين" الذين يرددون القول بأن شرعية العمل الإسلامي يفتح الباب للصراع الطائفي، إنما قولهم تهافت وافتعـال، وعلى ذلك يدعو هويدي لأن يتوفر لدراسة الموقف فريق عملٍ مسئول (سياسي وأمني) يتولى تقليب الأمر من مختلف جوانبه: "إننا لا نريد أن ننتقد جمود الفكر الديني من ناحية، ونمارس جمودًا سياسيـًا من ناحية ثانيــة".

في الفصل الثالث يحدثنـا هويدي عن نوع مستجد من الإرهـاب، يتمثل في "التعريض والتخويف والتحريض"، ويتساءل عما إذا كان هناك أمل في نجاح تجربة مشاركة الإسلاميين في مجلس الشعب المصري أم لا .. وهو يعزي ذلك إلى أمرين: أداء الإسلاميين أنفسهم، والتناول الإعلامي لذلك الحدث الهام في ساحة العمل السياسي المصري .. وعن هذا الأخير – يقول هويدي – فقد افتقد – كقاعدة – إلى الحد الأدنى من الموضوعية والإنصـاف، وفي إطار ذلك التناول غير الصحي، فإن نسبة قليلة من تلك المعالجات قد تجاوزت الإنصاف إلى حد تخويف عامة الناس وإثارة نفورهم وقلقهم. وبقدر ما حدث ذلك أثناء المعركة، إلا أنها استمرت بعد انتهاء المعركة، الأمر الذي يوحي بأن المسألة لا تقتصر فقط على المعارك الانتخابية، وإنمـا الصراع الحقيقي هو ضد التيار الإسلامي في مجمله، سواء في الشارع أو تحت قبة البرلمان ("جماعة الجهــاد" وإدانتها لمبدأ المشاركة في "اللعبــة البرلمانيــة" مما يُعد تكريســًا للواقع الجاهلي، واجتماع معسكر التطرف الإسلامي والمربع العلماني في مجمله – المعتدل منه والمتطرف – على ضرورة تعطيل مسيرة التيـار الوسطي المعتدل، وحجبه عن الظهور بأي وسيلة).

ومن هنــا يورد هويدي أمورًا ثلاثة جديرة بالمناقشة:
1) علاقة التطور الذي شهدته مصر (نتيجة الانتخابات) بالاستقرار: حيث يؤكد هويدي أن مسألة الاستقرار في المجتمع من الأمور التي لا تحتمل الهزل والعبث، وضرب مثلاً بفقه أهل السنة الذي أُخذ عليه أحيانـًا أنه بالغ في الدعوة إلى الاستقرار وتجنب الفتنة (خصوصًا بعد الفتنة الكبرى بمقتل عثمان بن عفان وحدث الشرخ في الواقع الإسلامي بعد معركة "صفين") وهو هنا يشدد على الكيفية التي يتم بها هذا الاستقرار، ويقول بأن الحزم والحكمة مطلوبان لعلاج تلك النقطة: الحزم من جانب السلطة التي ينبغي ألا تتهاون مع أي طرف يخل باستقرار الوطن، والحكمة من جانب القوى السياسية والسلطة، فالأولون مطالبون بأداءٍ يسهم في الاستقرار، أما أجهزة السلطة فمطالبة بتجنب الصدام مع القوى السياسية.

2) القول بمتاجرة الإسلاميين بالدين للوصل إلى السلطة: ويرد هويدي بأن العمل بالدين أو به ليس كله تجارة، كما أن استهداف الوصول إلى السلطة ليس مما يشين تيارًا سياسيـًا أو يدينه في أي نظام ديمقراطي حول العالم، وعليه فلا غضاضة أبدًا في أن يطمح الإسلاميون أو غيرهم في الوصول إلى السلطة، بشرط أن يتم ذلك بالوسائل المشروعة وعبر القنوات الشرعية، وليس بالتآمر والانقلاب على الواقع.

3) لافتــة الحل الإسلامي: وقد تعرضت لظلم غير مبرر له، ما بين اعتقادٍ بأنها "تغييبــًا" و "خدعــة"، وبين دعوة للدولة الدينية، وإثارة للفتنة الطائفية، وعليه فإنه يعقب هويدي بأنه ليس مطلوبـًا من الشعــار أكثر من أن يكون بمثابة سهمٍ يشير إلى الاتجــاه.

ومع الفصل الرابــع إذ ينبهنـا هويدي إلى ما هو "أســوأ من الإرهــاب"؛ ألا نعرف كيف نتعامل معه بالكفاءة المطلوبة؛ فعلاج الأزمة وتوقي شرور العنف لا يكون فقط بمجرد إحباط الفعل والقبض على الفاعلين، وإنمــا يُقاس إنجازه الحقيقي بمعيار ترشيده لرد الفعــل من ناحية، وبمقدار شجاعة التصدي لجذور العنف ومنابعه من ناحية ثانية، ومثل تلك المهام "لا يقدر عليها إلا أولو العزم من أهل القرار والسلطان، الذين يملكون القدر الكافي من وضوح الرؤية والإخلاص للهدف، وجرأة المواجهة، والارتفاع فوق الجراح والنزوات والأهواء". ثم يستعرض أمثلة لمحاولات اغتيال كل صاحب قلم ورأي (مكرم محمد أحمد رئيس تحرير جريدة المصور) وردود الأفعــال إزاء ذلك والتنديد به (إبراهيم سعدة، رئيس تحرير أخبار اليوم).

ويعقب هويدي بأنه ليس من مسئولية الكلمة أن تروع الناس وتصور لهم أن مصر على أبواب الجحيم، ولا أن تُتهم كل الأحزاب "بمجاملة قوى الإرهاب"، ولا أن يُهاجم التدين ويُلمز المتدينون في سياق نقد العنف والتطرف، ولا أن يفتي أحدهم بأنه إذا كانوا يعلنون كفرهم بالوطن، فمن حق الوطن أن يكفر بهم؛ وإنمـا الكلمة المسئولة التي يراها هي الكلمة الهادية والمبصرة والكاشفة، وهي أشد ما نحتاج إليه في هذه المرحلة من جانب أهل الرأي. وهو هنا يستشهد بما كتبه الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي بـــ"الأهرام" آنذاك حيث أفتى للخلاص من الإرهاب وحماية الحرية لا تكون إلا بمزيد من الحرية، وكذلك رأي الدكتور محمد نور فرحات بـــ"المصور" الذي اعتبر أن الخوض في أمر الفاعل في محاولتي الاغتيال من شـأن "الشرطي الخاص"، وعليه يقترح هويدي بضرورة الانشغـال بالقضية الواجب البحث فيها ألا وهي "ظاهرة تنامي العنف في المجتمع المصري"، مؤكدًا في نهاية الأمــر "أن التصدي الجــاد للعنف لا يكون إلا بملاحقة أسبابه في مكامنها ومحاضنها، وهؤلاء الذين يتصورون أن القضــاء على العنف يكون بالإجراءات الاستثنائية وباستئصال شأفة فريق أو جماعة من الناس، هؤلاء ليســوا إلا دعــاة شــر وقرناء ســوء، يريدون لمسلسل العنف أن يتوالى ويتصل".

قضيتان مهمتــان يثيرهمـا هويدي في الفصل الخامس في حديثه عن الإسلاميين وما يتعرضون له من اتهامات وتجرؤات بوصفهم بأصل الداء والبلاء والرزايا والعبر: "نفي الإسلاميين من الواقع"، و"نفي الإسلام من الواقع". أما الأولى فيعقب هويدي بأنه إذا كان الإسلاميون قد أخطئوا في التعبير عن أنفسهم، أو أن السلطة قد أخطأت في النهج والتقدير، فالحاصل أن الطرفين لم ينجحا في التوصل إلى صيغة تكفل الحل السلمي أو التعايش بينهما، وبالتالي كانت تُرجَّح كفة النفي من الواقع الذي اتخذ صورًا عديدة؛ من الخمسينيات حيث كان ميسورًا ضرب الحركة الإسلامية وتطويقها نسبيـًا (والتي تسببت في نسبة غير قليلة من التشوهات الفكرية السائدة) إلى السبعينيات حيث تنامى الجسم الإسلامي بصورة مطردة، وتجاوز حدود الحركة الواحدة، وصار الهاجس الإسلامي يلح على قطاعات عريضة من البشــر .. وبذلك يخلُص هويدي إلى أن فكــرة "نفي الإسلاميين" مستحيلة تمامـًا.

أما عن "نفي الإسلام من الواقع" فيشرح لنـا هويدي (مستعينًا بما كتبه الدكتور فهمي جدعان، أستاذ الفلسفة بجامعة اليرموك الأردنية، في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام") كيف بدأت الفكرة بعدمـا طلعت علينـا طلائع بعثات الدارسين العرب إلى أوروبا في القرن الثامن عشـر، وعادت مشدودة "بنظامات الإفرنج"، وعلى إثرهـا ظهر في مصر حينذاك التيار الداعي إلى نفي الإسلام من الواقع (محمد حسين هيكل، طه حسين، محمود عزمي) وكان موقف الشيخ رشيد رضــا من ذلك أن اعتدهـا دعــوة إلى "محو السلطة الإسلامية من لوح الوجود". وعن تساؤله بإمكانية ذلك، يرد هويدي بأنه ربمــا نجحت محاولات النفي الجزئي للإسلام، عن طريق تعطيل تطبيق الشريعة الإسلامية في عدد من الدول العربية، إلا أن الدين ظل باقيــًا وحاكمـًا لسلوك وعلاقات الأغلبية الساحقة من المسلمين. ويخلُص هويدي إلى أنه إذا نحينا البعد العقيدي في الموضوع، فثمة خطــأٍ فادح بأبسط قواعد التعامل مع الواقع، فالعنصر الديني له دور في تحريك جموع البشر وتفجير طاقاتهم المخزونة والمعطلة، واستنهاض هممهم لمواجهة أعتى التحديات، الأمر الذي بدوره يولّد نهضة اقتصادية التي بدورها تمنحنـا اكتفاءً ذاتيـًـا، فلا نعيش عالةً على غيرنا في خبزنا وكسائنا وسلاحنا. واعتبر هويدي أن نفي العنصر الديني لا يجرح دين الداعين إليه فقط، وإنما يجرح وطنيتهم كذلك؛ لأنهم بدعوتهم تلك يحولون دون استثمار هذا الكنز العظيم الذي هيأه الله للناس، فضيعوه وضيعوا أنفسهم.

سؤال يطرح نفسه هنــا، حيث أن نفي الإسلام غير وارد، وكذا نفي الإسلاميين غير ممكن، فما هو إذن ذلك الجهد المبذول لأجل تشكيل وعي إسلامي رشيد يحصن أبناءنــا وشبابنـا ضد الجنوح والتطرف والعنف؟ ويجيب هويدي آسفــًا بأن ذلك الوعي الإسلامي الرشيد ليس مُدرجـًا في قائمة أولويات الدوائر المسئولة عن التوجيه والتربية وإعداد البشــر، وعليه يطالب المعنيين بالأمــر بالتــزام "الوضــــــــوح" بحيث لا تكون المؤسسات الدينية في وادٍ، والمؤسسات التربوية والثقافية في وادٍ آخر، بينمـا تتحرك المؤسسات التعليمية في وادٍ ثالث!!

عن الأقبــاط ومشاكل الأقبــاط في مصر، يفتتح هويدي الفصل السادس بـــ"مواطنــو الدرجــة الثانيــة" مشيرًا إلى تلك العلاقة المتوترة بين الأقبــاط والمسلمين، والتي بدأت بتعرض بعض الإسلاميين للمسيحيين ومعتقداتهم بسوء القول والعمل، وهي – كما يقر هويدي – مشكلة تفتح الباب لمفاسد ثلاث على الأقل، كل منهـا أســوأ من الأخرى، إذ أنها تهدم علاقة البر والقسط التي دعــا القرآن إلى إقامتها مع غير المسلمين، وهي تنسف وحدة الوطن وتمزق شمله، وهي تجرح وجه الإسلام ذاته، وتشوه مشروعه الحضاري. واستدلالاً برأي بعض المسيحيين الظانين بأن النظام الإسلامي لا يتيح لهــم مكانًا أو فرصة للتقدم الوظيفي، يرى هويدي أننا بصدد ظاهرة من شقين:
1) موقف خاطئ لبعض الدعـاة الإسلاميين.
2) معلومات خاطئة لدى بعض الأقبــاط وبعض المثقفين المسلمين.
ويذكرنــا مرة أخرى بقصة سيدنـا موسى عليه السلام حينما ترك بني إسرائيل في عهدة أخيه هارون لبعض الوقت، بعد أن دعاهم إلى عبادة الله وحده واستجابوا له، لكن أحدهم – يدعى السامري – قد زاغت عقيدته فصنع عجلاً ذهبيـًا للتعبد، وتبعه آخرون، وهو ما سكت عنه هارون خشية أن يقول موسى أنه فرق بين بني إسرائيل، إذ يرى هويدي أننا هنـا بصدد تغليب مصلحة على مفسدة، وهي ذات القاعدة التي قدرها الأصوليون عندما أثبتوا أن الشريعة مبنيةً على جلب المصالح ودرء المفاسد.

وفي محاولة منه لقراءة الأوضاع ونسف تلك الفكرة الخاطئة عن الإسلام، ينبــه هويدي أولاً إلى ضرورة انتبــاه الجميع بأن هناك إطارًا مرجعيـًا لكل ما يُنسب إلى الإسلام، يتمثل أولاً في نصوص القرآن وروحه ومقاصده، وثانيـًا في الصحيح الثابت من السنة، وكل ما عدا ذلك فهو اجتهاد بشر، يحاكم بالقرآن والسنة. ما من نص قرآني أو حديث نبوي لا يحث على تكريم الإنسان وحفظ كرامته بصرف النظر عن اعتبــاره أو جنسـه أو لونه، فضلاً عن أن اختلاف الناس في الدين واقعٌ بمشيئة الله تعالى، الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيــار فيما يفعل ويدع: "فمن شاء فليؤمن، ومن شـاء فليكفر" (ما قاله د. يوسف القرضاوي في كتابه "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي") وبنــاءً عليــه يقول هويدي بأن الانتقـاد من عقائد المسيحيين ينال من كرامة إخوة لنــا في الوطن، وهذه خطيئة أولى، وهم بذلك يقفون موقف من يرد في مشيئة الله تعالى في اختلاف الناس، وتلك خطيئة ثانيــة، وهؤلاء من يمارسون سلطانًا على الآخرين لم يمارسه النبي – صلى الله عليه وسلم – (باعتباره مبلغٌ فقط عن الله سبحانه وتعالى، بينما الاستجابة، أو الاعتراض أو الرفض فهذا من شــأن الله واختصاصه وحده) يُعد خطيئة ثالثــة. وعليــه أيضــًا يقــر هويدي بأن مسألة المواطنة من الدرجة الثانية، التي تصنف غير المسلمين في متربة أدنى من المسلمين في الحقوق المدنية والإنسانية، إنمـا هي محض افتــراء على الإسلام لم تقــره نصوص القرآن ولا السنة الشريفة، إذ جعل الله عز وجل مقياس التفاضل بين البشــر هو التقــوى، وهو هنــا يستدل بآراء كبار علمـاء الإسلام: إذ يقول د. محمد سليم العــوا في كتابه "النظام السياسي للدولة الإسلامية" بأنها من مبادئ الإسلام وقواعده الكلية، التي تُفهم على أساسهـا وتُستنبط منها الأحكــام الجزئية في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، في حين أقــر د. القرضاوي بأنه: "لأهل الذمــة الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلُبت عليه الصبغة الدينية"، وتحدث الماوردي قبل ألف عام في كتابه "الأحكام السلطانية" عن جواز تعيين وزراء غير مسلمين في الحكومة الإسلامية.

ثمــة أمر خطير يقلقل صعيد مصر ينبهنـا إليه هويدي في الفصل السابع، ألا وهو "الطائفيـــة"، ويستغرب من وقوف رموز الأطراف مباشرة موقف المتفرج مما يجري، كذلك ترك السلطة وحدهــا في الساحة فتتحول القضية إلى مسألة أمنية منوطة بالشرطة والدرك، وليست قضيةً سياسية تؤرق الضمير الوطني، وتحتل مقدمة الهم العــام ومحاولة التصدي لهــا وعلاجهــا. ويتساءل هويدي عن سر ذلك الخوف والاستحياء من وجود هذه الأمراض بيننـا، في حين أنه لا يخلو أي مجتمع بشري على وجه الخليقة منهـا (العنصرية في الولايات المتحدة، الطائفية في آيرلندا بين الكاثوليك والبروتستانت). كما يتساءل لماذا لا يتم طرح المشكلة بكل الوقائع الصحيحة وبحجمها الحقيقي، ثم اُعتبر حلها مسئولية الجميع، ودُعي كل طرف لأن يتحمل مسئوليته إزاءهــا بدلاً من لغة الخطـاب تلك التي تراوحت بين التهويل والتهوين؛ من تسرع بالحكم وإلقـاء اللوم على "المتعصبين الإسلاميين" دون متعصبين آخرين من الطرف الآخر، وبين من وجدها فرصة لتصفية الحسابات وفتح النار على المؤسسات الاقتصادية الإسلامية؟

وعليه يقول هويدي بأن القراءة الرشيدة للموضوع كامنة في ملف العلاقات الإسلامية والمسيحية، فسِفر الطائفية في الملف الكبير يقول صراحةً: إن باب الفتنة ينفتح على مصراعيه في حالتين: اختراق الصف، أو تراجعه وانحســاره (مستدلاً على ذلك بما حدث في منتصف القرن الرابع الهجري، إذ بدأ التعصب بين المسلمين والنصارى بصورة مهدِّدة للأمن، تعصب "الحنابلة" وكثرة مهاجمتهم لغير أهل مذهبهم من المسلمين فضلاً عن النصارى، محاولات الصليبيون والتتار اختراق صفوف الأرمن والسريان واليعاقبة والنساطرة، ظهور قضية "المِلل" أو الأقليات في مرحلة تحلل الدولة العثمانية في القرنين (18، 19)، الحملة الفرنسية على مصر، الاحتلال الإنجليزي لمصر). ولا ينسى هويدي أن يذكرنــا بالفترة التي بلغت فيها الفتنة ذروتها، بين عامي 1908 و 1911، والتي دفعت بعقلاء الأمة المسلمين والمسيحيين على حد ســواء لرأب الصدع، والحث على لم الشمــل وجمع الكلمة (ويصا واصف، د. وليم قلادة "المسيحية والإسلام على أرض مصر"، د. محمد حسين، طارق البشري "المسلمون والأقباط في إطـار الجماعة الوطنية") وفي عام 1911 تمثل العقل القبطي في توفيق دوس، وسينوت حنـا، ومرقص حنــا، في حين تمثل العقل الإسلامي في أحمد لطفي السيد، وأحمد عبد اللطيف، وعبد العزيز فهمي.

ثم يقدم لنــا هويدي "هوامش على أوراق قبطية" في الفصل الثامن، فيقول إن تتبع مؤشرات العنف والطائفية لا تقتصر على الطرف الإسلامي فحسب، ولكن تمد لتشمل بعض الأوراق المهمة للطرف المسيحي أيضــًا، ولمباشرة تلك القراءة ثمة أمورٍ أربعـة نضعها في الحسبان:
1) الإقرار التــام بمسئوليـة الأغلبية تجـاه الأقليــة، وواجب الأغلبية في أن تبادر إلى بعث الطمأنينة وإرســاء أسس المودة والتراحم في علاقتها بالأقليــة.
2) أننا نسجل تحفظــًا على صياغة العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس "التسامح" الذي يدعو إليه كثير من الخيِّرين ودعاة إصلاح ذات البين، فحقوق الإنسان في الإسلام مقرَّرة من الله سبحانه وتعالى، مما يجعلها مستمدة من العقيدة، وليس من مسائل الاجتهـاد والنظر.
3) أننــا نسلّم بأن العقل الإسلامي المعاصر مارس تقصيرًا مضاعفـًا في حق غير المسلمين، إذ أسقطهم من الحســاب أكثر المشتغلين بالسياسة والدعــوة في زماننــا.
4) أننـا نقر بأن تراثنــا الفقهي يتضمن بعض الاجتهادات المسيئة إلى كرامة غير المسلمين، تأثرت بظروف خاصة للغاية (الحروب الصليبية) وهي بذلك تحتاج إلى مراجعة واستبعــاد.

وفي المقابل يدرس هويدي أوراق الطرف المسيحي ليرصد مؤشراتٍ على ظهور ما يسمى بـــ"الصحوة المسيحية" (على غرار ما أسميناه من تنامي الظاهرة الإسلامية بـــ"الصحوة الإسلامية") والتي تمثلت في ظهور تيارات أربع:
1) تيــار يدعو إلى تنشيط دور الكنيسة في المجالين الروحي والاعتقادي (الأب متى المسكين في كتابه "مقالات بين السياسة والدين").
2) تيــار يتجاوز تلك الحدود، ويدعو إلى تفاعل الكنيسة مع الواقع الزمني، منطلقـًا من استثمار التلاحم القائم عبر التاريخ بين المسلمين والمسيحيين لبنــاء حاضر ومستقبل الوطن (برهان غليون "المسألة الطائفية ومسألة الأقليات"، د. وليم قلادة "المسيحية والإسلام على أرض مصر"، "الشعب الواحد، والوطن الواحد").
3) تيــار ثالث يتحرك من منطلق طائفي، ويطرح ذاته من خلال القول باضطهاد المسيحيين في مصر، ومطالب الطائفة، ويركز على نصيب الأقبــاط من الوظائف العامــة، وتمثيلهم في المجالس النيابية (د. ميلاد حنــا "نعم أقبــاط، ولكن مصريون").
4) تيــار رابع يدعو إلى الالتحاق بالغرب، باعتباره "حامي الحضــارة المسيحية"، وهو يتحرك أيضــًا من ذات المنطلق الطائفي (أقبــاط المهجــر في أمريكـا، وأستراليـا، وكنــدا)

وكمـا حدث على الجانب الإسلامي من تلك "اللوثــة الفكريــة" في الساحة الإسلامية، فالسؤال الآن: ما هي أسباب ذلك الخلل في خريطة الواقع؟ وللإجابة على السؤال يستعرض هويدي بعض الملاحظات التي تثيرهـا محاولة قراءة أوراق الطرف المسيحي؛ أحدهم يتعلق بحدود مسرح الأداء القبطي، وهل هو الوطن أم الطائفة؟ والذي يخلُص فيه هويدي إلى أنه لمــا كان انسحاب الأقبــاط تدريجيـًا حتى بات الحضور مقصورًا على القيادة الكهنوتية أو رجـال الأكليروس، كانت المشاركة العامـة للأقبــاط من خلال الكنيسة، مما أفرز تكريســًا للعمل الطائفي دون العمل السياسي. سبب آخر يتعلق بأسلوب الخطاب القبطي، وأيهمــا أجدى له وللوطن: أن يُوجَّه من منطلق المطالب العادلة للطائفة، أم من منطلق تعزيز الأواصر وتعميق الثقة والمشاركة من خلال عمل سياسي ونقابي يتبنى جهود التصحيح، ويستجيب لمتطلبات العــدل والقسط والبــر، بما يعني الدعوة إلى استقامة قوام الأمة، وليس الاستجابة لضغوط الطائفــة.

وينتهي بنـا هويدي في الفصل التاسع إلى تلك الخطوات واجبة الدراية والتنفيذ للعمل على "البنــاء لا الهـدم"، فيدعونـا إلى عدم التعامل مع مسألة الطائفية بمنطق الانشغــال المؤقت؛ من عدم الاكتراث أو الصمت التــام، إلى الإفراط في الحمــاس والمبالغــة في الكلام، ويشدد على أن "نزع فتيل التوتر في الشارع المصري – الإسلامي والمسيحي – هو المهمــة رقم واحد، التي ينبغي أن تتصدى لهـا – أولاً – كافــة مؤسسات وأجهزة صناعة القرار السياسي" (رغم خشيته بأن تتعثر تلك المهمــة بسبب التشويش الإعلامي الذي تمارسه بعض المنابــر، والذين شُغــل بعضهم بتصفية حساباتهم بأكثر من انشغالهم بالقضية الملحـة الماثلــة). ولا يلبث أن يستعرض نماذج لعلماء دين مسلمين ومسيحيين قد أخذوا على عاتقهم مسئولية التحرك لإطفـاء نار الفتنة، كموقف كل من الشيخ عبد المجيد اللبـان، شيخ علمـاء الإسكندرية آنذاك، وبطريرك الأقبــاط الأرثوذكس الأنبــا يؤنس من حادثة الإسكندرية عــام 1930، وكذلك مبادرة الأديب محمد حسن عبد الله بضرورة تنقية كتب التراث مما يشوبها من إشارات ومواقف تسيء إلى مشاعر غير المسلمين وتحط من قدرهم.




November 13, 2010

حتـــى لا تكـــون فتنــــــة .... 3

(3)

ومع الباب الثالث حيث يستمر فهمي هويدي في عرض مختلف القضايا المعاصرة التي تخص العالم الإسلامي والعلاقة بينه و بين الغرب، ففي الفصل الأول يوضح لنــا "حقيقــة المواجهــة" بين الحضـارة الغربية والحضـارة الإسلامية التي تعمل على تقليصهـا الحضـارة الغربيـة وتفتيتهــا وإلغــاء أي أساس لهــا، فهم وحدهم القادرون على قيــادة العالم بعلمانيتهم القائمة على فصــل الدين عن الدولــة (حوار الصحفية الإنجليزية "بولي توينبي" مع اللاجئة اليوغسلافية "مليكة صالح بيجوفيك") فالعقـل الأوروبي – كمـا يقول هويدي – لا يرى مستقبلاً لغيـر مشروعه الحضاري، وكل تقدم أو إنجـاز هو منسوب له وحده دون غيره، فإمـا التغريب وإما الهلاك، ولعل هذا ما يفسر سـر احتفـاء الغرب بكمال أتاتورك وجماعة "الاتحـاد والترقي" الذي نقـل تركيـا من معسكر الإسلام والتحاقهـا بمركبة الغرب الظافرة.

ويستطرد هويدي في عرض المخطط الغربي للعالم الإسلامي مستشهدًا بدراسة للدكتور مروان بحيري (أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية في بيروت) يشرح فيها الطموحات الاستعمارية الغربية التي وصلت ذروتهـا في بداية القرن العشرين على يد كل من بريطانيـا وفرنسـا، وحلم تلك الأخيرة بدور قيادي في العالم الإسلامي؛ فقد تبارى الكتاب الفرنسيين – والغربيين على حد سواء – في الحديث حول "آفاق الإسلام في القرن العشرين" (إدسون فازي الصحفي الفرنسي، يوجين روبيرتي عالم الاجتماع الروسي، مارتن هوفمان أحد كبـار الدارسين الألمـان، موسورس جيكيس السياسي اليوناني البارز) ودعواتهم لإضعاف الإسلام وتشتيته (البارون كارا دي فو من المعهد الكاثوليكي) لجعله عاجــزًا إلى الأبــد عن اليقظــة الكبرى. وعن قضية الصفوة في العالم الإسلامي فقد كانت أحد الشواغل الأساسية للسياسة الفرنسية، والتي حيرتها المقاومة في الجزائر والمغرب، مما دفعها للبحث عن العناصر الاجتماعية في العالم الإسلامي، حتى خرج أحد المستشرقين قائلاً بأنه "إن على فرنسـا في الجزائر أن تسعى إلى خلق مجتمع جديد لا يعـود مسلمـًا، ويظل جزائريـًا دون أن يصبح فرنسيـًـا" (لوشاتيليه في "السياسة الإسلامية") وآخرون يدعون إلى "العمـل على أن يتولد إسلام جديد" أكثر ميلاً للمصالحة والتسامح مع أوروبـا وتشجيع العلمـاء الشباب الذين يسيرون في هذا الاتجـاه (إدمون دوتيـه).


ثم يختتم الباحث مروان بحيري بحثه قائلاً بأن التزييف ظل صفة متلازمة للعداء الغربي للإسلام، فكل دلائل النهضة أو الإحيـاء فُسرت على أنها "خطــر" ووسمت "تعصب" ولذلك لم يكن العالم الإسلامي هدف غزو فحسب، بل وتشويه سمعة أيضـًا. ثمة نقطة أخرى يضيفها هويدي وهي أن القضية في أساسها صراع تاريخي محتدم بين حضارتين، إذ تسعى الحضـارة الغربية إلى تصفية الإسلام بكل الوسائل والأساليب؛ فهم لا اعتراض لديهم أبدًا عن الإسلام العقيدة والعبادة والتصوف، وإنما نظام الحياة الإسلامي الذي يوقظ همم المسلمين ويستحضرها ويبنون بهـا حضارة وتقدم ونهضة فهم يرفضونه ويحاولون سحقه في بذرته ونبته، سواء بقبضة السلطة أو الحيلة والمراوغة مرات ومرات (تركزت معظمها حول فكرة الدعوة إلى إسلام جديد)، ويضرب مثلاً بالقاهرة في أواخر العشرينيات وكيف أصبح المناخ آنذاك مشبعـًا برطوبة الأخذ بثقافة الغرب بكل ما فيها من خير وشر، وجد وهزل، وما أن تصدى لهـا الأستاذ محب الدين الخطيب وغيره من الغيورين على الإسلام بإنشائه جمعية الشبان المسلمين، حتى أُجهضت الحركة الإسلامية بإدانة الكاتب الخطيب والحكم الجنائي عليه.

مشكلة أخرى يثيرهـا هويدي في الفصل الثاني تتعلق بهؤلاء "المغيبين" وتلك الإشاعات والخرافات التي يروجها الناس فيما بينهم (الكلب الأسود شيطان خفي، نهاية العالم وخروج الدجـال نتيجة شيوع الفسـاد في الكرة الأرضية)، وما باغته أيضــًا من هؤلاء "المتدينين الجدد" الذين شغلوا أنفسهم بالمقابلة بين الجلباب والسروال، ومنهم من انصرف يدعو الناس من مغبة التشبه بالنصارى في أزيائهم، وهل النقاب بعين واحدة أم إظهار العينين .. وهكذا، ولكن هنا يركز هويدي على هؤلاء المتجهين إلى عالم الغيب، وعلى التوازي معهم هؤلاء الذين يصرون على التحقيق في عقائد الآخرين (هل الأباضية في عمان من الخوارج أم لا؟ هل للشيعة مصحف آخر غير الذي يعرفه المسلمون أم لا؟ هل تسرب الشرك في الصوفيين أم لا؟) الأمر الذي يعكس انفصالاً مؤرقـًا بين الوعي والواقع، وكيف انشغل الأغلبية عن عوالم مختلفة غير عالمنا الواقعي، وكأنهم لم يسمعوا بعد بتلك المشاكل والأزمات المؤرقة التي تجتاح العالم (نضوب المياه في أفريقيا مثلاً) ولا يعني هويدي هنـا عدم أهمية تلك الأمور، ولكنه يبحث عن الأولويات التي بجب أن تنصب جهودنـا وعقولنـا تجاههــا.

أمثلة أخرى يعددها هويدي حول تلك المناظرات والمجادلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع من مثل: المقابلة بين العروبة والإسلام، أولويات الانتمـاء (هل نحن مصريون أولاً، وعرب ثانيـًا، ومسلمون ثالثــًا)، الجدل حول الشريعـة (هل طُبقت بعد الخلافة الإسلامية أم لم تُطبق؟) الجدل حول الثنائيات المُقدَّرة على أمتنـا (الأصالة والمعاصـرة، الوطنية والإسلامية، العلم والدين)، علاقة الإمام محمد عبده بالماسون، والأفغاني باليهود، وجمال عبد الناصر بالموسـاد الإسرائيلي .. إلى آخر تلك المهاترات التي لا يجدهـا هويدي ســوى أنها تصب خارج الملعب الحقيقي لهؤلاء المتدينين المستميتين في الاستغراق في الأمور الغيبية، أو هؤلاء المثقفين المجادلين فيما يثير ضجيجـًا ولا يثمر طحينـًا، إذ يحاربون "معــارك الصفــر" حيث لا عدو حقيقي ولا غالب ولا مغلوب.

ويستدل هويدي أيضـًا بأمثلة من التاريخ الإسلامي؛ من عصر المأمون وانشغال العقل الإسلامي بقضية "خلق القرآن" مما تسبب في كف الناس عن الحديث في أمور العدل والشورى، إلى نهايات العصر العباسي حيث الانحطاط والتفسخ السياسي الإسلامي، وما سجله الشيخ محمد الخضري في كتابه القيم "تاريخ التشريع الإسلامي" عن سمات تلك المرحلة التي عددها في أمور ثلاثة هي:
1) تفشي روح التقليد.
2) ظهور الصراعات المذهبية.
3) شيوع المناظرات والجدل.
مما أدى إلى اختفاء تيار الاجتهـاد والإبــداع، كمـا يسجل ثانيـًا أن العقم الفكـري قد أفرز حالةً من التعصب المذهبي بين فرق المسلمين وتياراتهم المختلفة مما فتح الباب لمختلف ريـاح الفتنة والخصومة. ويذكرنـا أيضـًا بالإمــام محمد الغزالي الذي شهد تلك المرحلة وكان من المشاركين في مجالس النظر والجدل ولكنه سرعان ما انصرف عنها مدركـًا مخاطر التورط في معاركها الوهمية، فكان إنجازه العظيم في مؤلفه الموسوعي "إحيــاء علــوم الدين" في محاولة منه لإزالة الركـام الذي ران على علوم الشرع بفعل عصور الانحطاط.

ويأتي الفصل الثالث "هذا الذهــول القومي" استكمالاً للحديث عن تلك الهوة السحيقة بين عالمنـا وبين العالم الأول، عن هؤلاء المستنفرين لجهودهم في معارك الغيب والخرافات والأساطير بينما يبحث العالم المتقدم ظاهرة "العفاريت الصغيرة" – تلك القوى الصناعية الجديدة المتمثلة في دول جنوب شرق آسيا (كوريا الجنوبية، سنغافورة، تايوان، هونج كونج، تايلاند) والتي تنافس الغرب وأوروبـا بهمم مذهلة وقدرات بشرية عملاقة، وخشية ما يخشـاه هويدي من أن نستمر على ما نحن فيه منساقين في عالم الغيب بينما هم يفوزون بالتفوق والصدارة في عالم الشهـادة. وعلى حد تعبير هويدي، فعندمـا نعاني من مشكلات حيوية بمصر كانخفاض منسوب ميـاه النيل، وكيف أن مصــر باتت مهددة في مياههـا وأصبح الاقتصاد في استهلاكها مطلبًا مُلحـًا، ومع ذلك يظهر المسئولون ليعلنوا أن كل شيء على ما يرام، فنحن أمة لا تعيش أزمتها ولا تقدم نفسها على حقيقتها، وبالتالي تبث في الناس مبدأً راسخـًا بأن أوان العمل الجــاد لم يحِن بعــد، ممـا يصب في مجرى رفع التكليف عن الخلق وإعفائهم من عبء المشاركة وهم المسئولية.

وعن سؤاله عن "العمــل" للتصدي لمثل تلك المشكلات ورفع حالة الفصــام المدهشة تلك يُرجع هويدي مثل تلك النهضة على جهود الإحيـاء الإسلامي التي بدأت في القرن الثامن عشر إثر تحلل الإمبراطورية العثمانية واستمرت حتى عهد ثورة يوليــو (بدأها الشيخ حسن العطار إبان الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت، مطالبـًا بتغيير البلاد وتجديد ما بها من العلــوم والمعارف، ومن ثَمَّ تلميذه رفاعة الطهطاوي الذي نادى بإيقاظ سائر أمم الإسلام من "نوم الغفلـة"، ثم برز جمال الدين الأفغاني في القرن التاسع عشر ودعا إلى الاستقلال والحرية وخلفه كل من محمد عبده ورشيد رضــا، ثم جاءت ثورة يوليو مع التصور الغربي للنهضة) ورغم ما يراه هويدي من مآخذ على جهود الإحيـاء الإسلامي تلك إلا أنه يظل يُحسب لهـا أنها طرحت البديل الذي يمكن أن يُترجم هذه الخصوصية. وعن سبب ذاك الانفصــال الذي أصابنـا الآن يعزي هويدي ذلك إلى شقين:
1) أن سنن الله قد مضت في الأرض، فمن حاز أسباب التقدم فاز به، ومن سـار على الدرب وصـل.
2) أن الوعي بالتكليف الإلهي للإنسـان باعتباره خليفته سبحانه في الأرض، قد أصابه التخريب والإهدار بعضها خلفتها عصور الانحطاط، وبعضها أثمرته جهود حصـار الدين وتشويه التدين.

"عن الحكــم بمـا أنزل الله" هكذا يستهل هويدي الفصل الرابع ليحدثنــا عن "الديمقراطيــة" ومفهومهـا في الإسلام وهل تتعارض مع الإسلام أم لا. يشرح هويدي الديمقراطية من منطلق مبدأ إسلامي عظيم ألا وهو "الشــــــورى"، فهو لا يطرح الديمقراطية كبديلٍ عن الشــورى، وإنمـا يعتبرهـا في مقام المفضــول، بحيث إذا لم تتح الفرصة لإقامة مجتمع الشـورى فإننـا ننحــاز على الفــور إلى جانب الديمقراطية، باعتبـار أن المفضول هو الأجدر بالإحلال إذا غاب الأفضل. وهو يستغرب هؤلاء الذين يقولون "إمـا الشورى وإما لا" .. "الأمر الذي يسلمنـا إما إلى الفوضى، أو إلى الديكتاتورية وحكم الفــرد"، ومن هذا الاعتقــاد كان رفض فكرة الدستور في تجارب سابقة، بحجة أنه "من بدع عالم الكفــر وأنه يعني إلغــاء دور القرآن الكريم كتاب الله ودستور المسلمين الدائم" (مستدلاً هنا بثورة الدستور في إيران عام 1906، والأسـوأ منها في اليمن في ثورة 1948 في عهد الإمامة). ثم يستشهد برأي الإمام الغزالي في هذه المسألة إذ يقول: "الديمقراطية ليست دينـًا يُوضع في صف الإسلام، إنها تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم ..... إن الاستبداد كان هو الذي أكل ديننـا ودنيانـا ..... إن دولة الخلافة الراشدة اقتبست في بناء النظام الإسلامي من مواريث الروم والفرس دون غضاضة" وهنا يعقب هويدي على أهمية الديمقراطية وفك ذلك "الالتبــاس" عنها قائلاً بأنه "إذا قُدِّر للتطبيق الإسلامي أن يقوم، وإذا أردنـا له قيامة سوية ومسيرة آمنة، فليس أمامنـا سوى باب الحرية والديمقراطية ندخل منه ونبدأ به".

وحول ماهية صيغة التطبيق الإسلامي ينبهنا هويدي إلى قضية "الخلافــــة" فهي ليست بالصيغة الوحيدة للتطبيق الإسلامي كما يعتقد بعض الإسلاميين ويروجون له ويعملون على إحيائهـا، فالإسلام لم يحدد صيغة محددة في هذا الصدد، ولكن حدد للحكم أساسـًا وإطارًا، أي أن الإسلام لم يعنِ بكيفية تولي السلطة للحكم، ولكن عنى بأمرين:
1) أن تتبوأ السلطة أو السلطان مقعد الحكم برضاء الناس، المتمثلة في البيعــة.
2) أن تباشر السلطة مسئوليتها على أساس من الشــورى.
ومن هنـا يقودنا هويدي إلى أمر دقيق وحساس يتمثل في قضية "الحكم بما أنزل الله" والالتباس والغلط الواقع في هذا الأمر منذ نزول الآيات الثلاث في سورة المائدة والتي تصف من لم يحكم بما أنزل الله مرة بالكفر، ومرة بالظلم، ومرة بالفسق، ممـا أدى إلى انشقاق المتعاملين مع تلك القضية إلى شقين:
1) تيــار سارع إلى تكفير كل من لم يحكم بما أنزل الله (وهو الرافض لفكرة الديمقراطية لاعتقاده بأنها كذلك، أي صورة من صور الحكم بغير ما أنزل الله)
2) تيار آخر اعتبر هذه الآيات قد نزلت في اليهود وليس في المسلمين (وهم هؤلاء الذين يرون الإسلام دعوة دينية وليست نظــام حكم)

وعن موضوع الحكم في الإسلام، يستطرد هويدي فيقول بأنه عند أهل السنة "الحكم من الفروع وليس من الأصول"، بالتالي فعدم إقامتهـا لا يُعد هدمــًا لركن من أركان الدين، يُخرِج المسئول عنه من الملة، فضلاً عن أن الحكم فعل وليس اعتقادًا، والفعــل إن كان مخالفــًا لما أمر الله به كان معصيةً ولم يكن كفــرًا، ولمـا كان الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين مخالفــًا لأمر العمــل وليس لأمر الاعتقــاد كان ترك ما أنزل الله معصيةً ولم يكن كفــرًا .. وهو هنا يستدل بآراء كل من الطبري، والقرطبي، والرازي، والبيضاوي، وابن القيم الذي زاد الأمر وضوحـًا عندما قرر أن الكفــر نوعان: أصغر وأكبر، الكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النــار، والأصغر موجب لاستحقـاق الوعيد دون الخلود، والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر، وذلك بحسب حال الحاكم.

ويواصل هويدي حديثه عن صيغة الحكم الإسلامي في الفصل الخامس "في تدبير الإمــارة"، فكمـا علمنـا سابقـًا بأن الخلافة أو الإمامة ليست هي الصورة المُثلى الوحيدة للحكم، فالإسلام ليس له نظام أو شكل معين لنظام الحكم كما نعلم لأنه عنى أولاً بأن يقوم الحكم أيا كانت صورته (رئاسة، مملكة، سلطنة، إمارة) على الشــورى، وأن يتم برضاء الناس وتأييدهم. ويعزي هويدي ذلك الانقســام بين مؤيدي الديمقراطية ورافضيها إلى 3 شقوق:
1) شق يتصل وثيق الصلة بواقع التخلف الذي تعيشه أمتنـا.
2) شق يتصل ببعض موروثات التركيبة النفسية العربية منذ عصور التفاخر بالأنسـاب.
3) شق يتمثل في تأثر العقل الإسلامي بمخاطر الفتنة الماحقة التي لاحت في أعقاب مقتل الخليفة عثمـان بن عفـان (في إشارة واضحة لموقعتي "الجمل" و"صفين")، عندمـا بدا أن دولة الإسلام مهددة في بواكيرها بالانهيـار.

ويعدد لنـا هويدي نماذج أعلامٍ كتبوا في فن الحكم على رأسهم القاضي أبي الحسن الماوردي (الأحكام السلطانية، نصيحة الملوك)، وابن حزم (كتاب السياسة)، والطرطوش (سراج الملوك)، وأبو بكر المرادي الحضرمي (كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة). ويستوقف هويدي رأيين من أهل الحنكة والخبرة السياسية العريضة أحدهمـا "أبو الحسن الماوردي"، والآخر "أبو بكر الحضرمي". في كتابه "نصيحة الملوك" يستهل الماوردي بأهمية توجيه الخطاب إلى الحكام أو الملوك مؤكـدًا أنهم أولى الناس بأن تُهدى إليهم النصائح حيث كان في صلاحهم صلاح الرعيــة، وفي فسادهم فسـاد البريـة، فينبههم إلى ما يلي:
1) دفع مضرة أصحاب الأهواء وغلبة وزراء السـوء وطلاب الدنيـا.
2) قطع أسباب اختلاف الرعيــة.
3) الحيلة في حسم أطماع العدو.
4) ضرب المثل بالخصال الشخصية الشريفة، التي تشيع الفضائل وتسمو بالهمم بين الناس.
ومن النقـاط التي ركز عليهـا الماوردي في سياسة العامة، كانت قضية العدل، مستشهدًا بالآيات القرآنية الدالة على ضرورة إرساء العدل، ثم بالحديث النبوي: "ما من والٍ يلي الجماعة، إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان، أنجاه عدله، وأهلكه جوره"، وكذا أقوال كل من الخليفة عمر بن عبد العزيز: "إن الله جعل الإمـام العادل قوام كل مائل ..."، والخليفة عثمان بن عفـان: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". أما عن أبي بكر الحضرمي، فلم يترك بابًا من أبواب السلوك العام والخاص إلى وتطرق له، ابتداءً من الحض على القراءة والتعلم، وانتهاءً بالمكر والتداهي والتغافل (أي التحلي بالغفلة مع تمام اليقظة والفطنة)، مع ما أورده من نصائح "بروتوكولية" عديدة للحاكم ومستشاريه، وكتّابه، وأعوانه، وخلطائه، وأصحابه، وأحجابه.

ومن نظــام الحكم وأسسه وتشريعاته يأخذنـا هويدي لنقطة "التصحيح" في الأوضـاع الراهنــة مستشهـدًا بحادثــة "عــــام الجماعــة" عندمـا التقت فيها كلمة المسلمين على بيعة معاوية بن أبي سفيان في عام (41 هــ) بعد سنوات التمزق الست التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان. يشير هويدي إلى أهمية مصر ودورها الإقليمي المميز وكيف أن صلاح العالم العربي وانهياره وانكسـاره مرهون بهـا – قوةً وضعفـًا – وليس ذلك كبرًا ولا منـًّا، ولكن هذا ما أكدته حقائق التاريخ والجغرافيـا، وهو هنـا يدعونـا جميعـًا لرد العافية للجسم المصري، وبالتالي استعادة دورها الإقليمي، وبين أيدينـا فرصتان ذهبيتان لتحقيق ذلك: انتخاب مجلس نيابي جديد، وانتخابات رئاسة الجمهورية. ويستحضر هويدي صفحات من التاريخ الأموي أملاً منه في إيجاد ما يهمنا معرفته فيها واستيعاب دروسه والتعلم منه.

في البداية ينبهنـا هويدي بأن المرحلة الأموية كانت تعبيرًا عن الانتقـال من الخلافة المثالية إلى الخلافة الواقعية، وقد شهدت تلك المرحلة بناء الدولة الإسلامية الكبرى من حدود الصين وما وراء النهر، وحتى الأناضول وأفريقيـا وإسبانيـا، وكانت نقطة البدء في الانطلاقة الأموية هي لم شمل الجماعة، وتوحيد الصف عبورًا على الفتنة التي أثارهـا مصرع عثمان بن عفان، والمحنة التي عاشتها الأمة الإسلامية في ظل الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية. ومن الصفحات بالغة الأهمية والدلالة في تلك المرحلة، كانت "مرحلة عمر بن عبد العزيز" أو "الصفحة العُمَـرية" بعد أن ظهرت مؤشرات الانحراف والفســاد التي خلفها سلفه، فهــو:
1) يمثل حقبة ثالثة في التاريخ الإسلامي، بعد القيادة الاستثنائية الأولى.
2) ضُرب به المثل في كفاءة التصحيح، مما يضع أمامنا تجربة عملية لمنهج وكيفية التصدي لمراكز القوى ورموز الفسـاد ليس فقط بالقيادة الرشيدة، وإنما بالتغيير الذي يوفر الأدوات الرشيدة أيضــًا.

ثم يعقد هويدي مقارنة بين ما عمله عمر بن عبد العزيز وما يحدث أمامنـا الآن على الساحة؛ إن عُمر الذي دخل من باب الشرعية وأمام التقليد الذي أرساه بنو أميـة (كانت الخلافة بولاية العهد آنذاك) قد أصر على أن تكون خلافته برضـا الناس، كمـا أصر على التخلص من مختلف مظاهر البذخ والترف التي عنى بهـا سلفه، والتنبيه على عدم التفريط في أموال المسلمين. وعلى صعيد الممارسة بدأ بنفسه وببيته، وبعدمــا أنجــز تلك المرحلة، اتجه إلى خطوته التصحيحية التالية، اتــجه إلى بني أمية الحزب الحاكم آنذاك، ففرغ منهم وطهّر بناء الدولة من قمته، ثم أدوات النظام وممثليه، فعزل من عزل، ونحى من نحى عن مواقعه السابقة واستبدلها بعناصر جديدة، ولم يقف عند ذلك فحسب (أي مجرد التغيير والتشدد في الانتقاء) وإنما كان يراقب كفاءة الأداء والإنجاز بعينين ثاقبتين، هذا فضلاً عن موقفه من الخوارج وغيرها من المواقف التي تُحسب له. وبذلك قاد عمر بن عبد العزيز دولة الإسلام إلى شط الأمان إلى أن تبددت على يد خلفه "يزيد بن عبد الملك" وما قام به من "ثــورة مضــادة" هدمت كل ما أنجزه عمر بن عبد العزيز على طريق التصحيح والتقويم، وبذلك فإن هذه الردة الأموية كانت سببًا في تحريك قوى المعارضــة من خلال تنظيمات الدعوة العباسية السريــة.

وعن "الداخليــة والناس" يحدثنـا هويدي في الفصل السابع. يرى هويدي أن وظيفة رجل الأمن ليست في "أن يحمي الواقع، وليس له أن يصادر الحلم، وإما مهمته ورسالته هما أن يحرس القانون، وأن "يؤمِّن" مختلف الممارسات التي تتم في إطاره". كمـا يضيف "إن صاحب الشرطة في الفكر الإسلامي المبكر، هو من أهل التنفيذ وليس من أهل التفويض" (مستشهدًا بتعبير الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" في هذا الصدد). ومن هنـا يتحدث هويدي عن الأوضاع والممارسات الأمنية في مصر، والتي يراهــا تستحق المناقشة والمراجعـة .. ثمــة أزمة ثقــة هنـاك بين الأجهزة الأمنية وبين قطاعات عريضة من الشباب النقي والمخلص والبالغ الاعتدال، نحتاج إلى تعاون صادق بين الطرفين لتحقيق الصالح العام ويُستتب الأمن العــام. وهو هنـا ينتقد تصريح وزير الداخلية المصري اللواء زكي بدر والذي قال فيه إن هناك أناسـًا في مصر يريدون إقامة الخلافة أو إعادتهـا، وأن هذه الخلافة لن تكون، والذي في ظاهره إيحاء برفض ومصادرة هذه الدعوة، ولكن هويدي رغم ما يعتبره ترفيهـًا سياسيـًا وفكريـًا لمناقشة فكرة الخلافة، وبصرف النظر عن أن النظــام السياسي الإسلامي لا يحدد شكلاً أو صيغة محددة لنظــام الحكم، وإنما الشــورى هي القاعدة والأساس والأصــل، يرى أن ذاك التصريح قد جانبه الصواب بكل المعايير الأمنية والسياسية والدستورية.

نقطــة أخرى تستحق المناقشــة ألا وهي بعض ممارسات أجهزة الأمن تجــاه الشباب المسلم الذي يريد الدعــوة إلى الله، ويخدم دينه وأهله دون أن ينخرط في أي تنظيم سري أو جماعة متطرفة ودون أن يتصادم مع السلطة (راجع فصل "أمراء الصعيد المحدثون" في الباب الثاني، وإقرار هويدي بأن مثل هؤلاء لا يغيرون من المنكرات شيئــًا، ولكن فقط "يشاغبون عليهــا" مثيرين ضجيجًا إعلاميـًا فيما لا يفيد البتــة)، ويستعرض هويدي نماذج ثلاثة لتلك الممارسات والتي بدورهـا تثير أمورًا ثلاثة جديرة بالبحث والمناقشــة:
1) الأمر الأول يتعلق بأزمة الثقة القائمة بين أجهزة الأمن وبين المتدينين عامةً، فالشك متبادل ومستمر، والاتهـام قاعدةً وليس استثنـاءً.
2) الأمر الثاني يتعلق بالأثر السلبي الذي أحدثه الإعلام الأمني وشوه كل جهد يُنسب إلى الإسلام بما في ذلك تحفيظ القرآن الكريم.
3) الحيرة الشديدة التي يعيشها الشباب المسلم الذي يبحث عن طريق مشروع وآمن ليخدم دينه وأهله ووطنه، وتُشعره بعض الممارسات الأمنية بأن الطريق أمامه مسدود.

November 05, 2010

حتـــى لا تكـــون فتنــــــة .... 2

(2)

في الباب الثاني يلقي فهمي هويدي الضوء على بعض القضايا العصرية وبعض الأبواب المفتوحة التي لهــا صلة بشكل أو بآخر بقراءة الفقــه الإسلامي .. في الفصل الأول "نعــم للمصالح ولكن" يتساءل: هل يجوز تغليب المصلحة على النص إذا ما تعارضـا (هل ممكن نقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في الولايات المتحدة الأمريكية – مثلاً – "رعايــةً للمصلحــة" لانشغــال الجميع بأعمالهم؟) ويرد على ذلك برأي الإمام نجم الدين الطوفي "بالإيجــاب"، الأمر الذي لاقى هجومـًا شاسعـًا من قِبــَل الخلف والسلف، مع التنبيه من جانب هويدي أن مثل تلك الاجتهادات قد تعكس التباســًا شديدًا في فهم قضية المصلحة في الفقه الإسلامي، ويدعونـا لأن نحاول"وضع المصلحة ودورهـا التشريعي في إطارهـا الصحيح بعيدًا عن دعـاة التطرف في التوسعة أو التضييق". ويستغرب هؤلاء المثقفين الذين يحتفون بمثل هذه الآراء ويصدرونهـا نقاطـًا مضيئــة وعلامة من علامات التحرر والتقدم والاستنــارة، ومن أمثلة ذلك هؤلاء المحتفين بفصل الدين عن السياسة استنادًا إلى رأي بعض الفقهـاء (الشيخ عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"). ثم يستطرد هويدي في تفنيد الأسباب التي بهـا خلُص الطوفي إلى فتواه بجواز تغليب المصلحة على الدليل الشرعي إذا ما تعارضـا .. حيث استند الطوفي أساســًا إلى أدلة ثلاثة:
1) ما ورد عن الشارع من نصوص وتعليلات أحكامه الدالة على أنه ما قصد من تشريعه الأحكــام إلا تحقيق مصالح الناس.
2) حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – "لا ضرر ولا ضرار" يقطع بنفي كل ضرر، فإذا دل نص على حكم يستلزم ضررًا، كأن يفوت مصلحة أو يجلب مفسدة، اُستثنيت الواقعة من حكم النص أو قيد النص بحيث لا يســرى عليهـا.
3) إن النصوص والإجمــاع ومختلف الأدلة الشرعية، إنما هي وسائل لتحقيق مصالح الناس.

وعن "اعتبــار المصلحة" يخبرنــا هويدي باستمرارية الجدل حول ما إذا كانت المصلحة هي فقط ما دل عليه الكتاب والسنة والإجمــاع ثم يُضــاف إلى ذلك ما دل عليه العقل أيضــًا، مستشهدًا بآيتين من القرآن الكريم: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتـاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون" و الآية الثانية: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". والحديث النبوي: "لا ضرر ولا ضرار". كمــا يستعرض هويدي موقف الأئمة الشافعي ومالك من "اعتبــار المصلحة" حيث ارتكزت وجهة النظــر الشافعية على أن ما شرعه الله ليس بحاجة إلى ما يكمله، وفي الكتاب والسنة والإجماع ما يكفل مصالح الناس، وهم بذلك – كما يرى هويدي – قد خشـوا من أن ينفتح الباب إلى الذلل وتغليب الهوى.

ويستكمل هويدي حديثه عن رعاية مصالح العبــاد بدعوته "يســـروا ولا تعســـروا" في الفصل الثاني، مؤكدًا أنه ليس في فتح باب المصالح على مصراعيه إهدارًا للنصوص أو تضييعًا لأحكام الشــرع، وإنمــا يشرح أنه "ما من جهدٍ عقلي أو يدوي إلا وله محاذيره ومخاطره، فليس من حسن التقدير أو التدبير أن يُرى ذلك الجهد من زاوية المحاذير وحدهـا لأن ذلك يعني إيقــاف كل جهد وكل نشــاط، وتعطيل كل قدرةٍ على الإضافة والإبداع". وبين متشددين مرتزقة من أهل الاجتهــاد، وأئمة أعلام آخرين أناروا لنــا الطريق وعملوا على استنهاض العقــول، يرى هويدي أنه الأصح استمرار مسيرة الاجتهــاد في ظل الضوابط والشرائط المقدرة، ليصح العقل والدين، وتستقيم حيــاة الناس في غير حرج أو مفسدة، وفي كتب الأصول هنــاك شبه اتفــاق على أمور أربعــة بشأنهــا هي:
1) أن طرح فكرة المصالح ينصرف إلى مجال المعاملات لا العبـادات.
2) أن تكون المصلحة عامــة لا خاصــة.
3) أن تكون المصلحة حقيقية لا وهميـــة.
4) أن تكون المصلحة شرعية لا تتعارض مع نص قطعي في كتاب الله.

ثم يشدد هويدي على ضرورة التثبت من كفاءة التقدير أو الاجتهـاد وجدارته خصوصـًا في تلك الفوضى الفكرية التي نشهدهـا حاليــًا، مستشهدًا بكتابات الشيخ محمد الغزالي بخصوص "العوج الثقــافي" الذي أصــاب أكثر الدعــاة، إذ انشغلوا بالأحاديث وأسانيدهـا ومتونها عن الفقــه الرحب (وهي نفس الملاحظة التي سجلها د. يوسف القرضاوي في كتابه حول الاجتهــاد إذ يشكو من تخصص البعض في دراســة الحديث وحفظه، دون أن يعتنــوا بالقدر الكافي بالدراسـات الفقهية والأصولية، أو بعلل الأحكام ومقاصد الشــارع)، ومن هنــا يخلُص هويدي إلى ضرورة إغلاق باب الاجتهــاد الفردي والاتجــاه إلى الاجتهــاد الجماعي (مجمع البحوث الإسلامية في مصر).

يعدد لنـا هويدي نموذجـًا آخر من العلمـاء الأجلاء الذين خاضوا في تفصيلات قضية المصلحة وهو محمد مصطفى شلبي الذي يلفت نظرنـا إلى دليلين من القرآن والسنة يحسمــان الأمر (("إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتــاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون" و الآية الثانية: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". والحديث النبوي: "لا ضرر ولا ضرار")) ويزيد من الشواهد على تقديم المصلحة بغير حصر في عمل النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحابته وتابعيه، الأمر الذي أدرك أهميته البالغــة بعد ذلك أئمة المسلمين وفقهائهم أمثال الإمـام مالك، وابن القيم، والشاطبي، ورشيد رضــا، وغيرهم. ويشير هويدي هاهنا إلى أن حركات جهود الإحيــاء الديني على مدار التاريخ قد كانت استجابةً فرضهـا الواقع وألح عليهــا: من أبو حنيفة وموقفه من الخوارج، إلى ابن حنبل و لاءاته الشهيرة (لا فتوى بغير دليل، لا تقليد، لا تدوين للفتاوى) عندما لاحت بوادر التفلت والتحلل في الخلافة العباسية، إلى أن ظهر محمد عبد الوهاب عندما تفشت البدع في الجزيرة العربية، إلى جمال الدين الأفغاني ودعوته بالتمرد والثورة إثر انهيـار الخلافة العثمانية وفرض هيمنة الدول العظمى عليها، إلى حسن البنــا داعيـًا إلى الإسلام دين ودولة بعد إلغــاء الخلافة العثمانية، ثم سيد قطب عندما اشتدت الحملة على الإسلاميين معلنــًا جاهلية المجتمع.

ثمة دعــوة أخيرة يرغبهـا هويدي في زمننـا الراهن، حيث الأزمات المتحكمة اقتصاديـًا وسياسيـًا واجتماعيـًا، إلى التيسير والتخفيف في الأحكام الفرعية العملية مع رعاية الضرورات والأعذار والحالات الاستثنائية وكلمات الشيخ يوسف القرضاوي حول "الضرورات العصرية" وإحيــاء "فقه الأزمــة" استجابةً لمتطلبات الظروف الحرجة التي بهـا أمتنــا.

ينتقــل بنـا هويدي في الفصل الثالث إلى الحديث عن "المتشددين" وكيف أن "التشدد يحسنه كل أحد [على حد قول الإمام الجليل سفيان الثوري] ممن ضاقت معارفهم أو ضاقت صدورهم؛ فما أسهل الجنوح إلى المبالغة باسم الحذر والتحوط، وما أسهل المبادرة أخذًا بالشبهات وسدًّا للذرائع". ويرى هويدي أن الفقيه الأصيل هو في ضبط ميزان الاعتـدال في العبــادة والسلوك، والتمييز بنظره الثاقب بين درجات متفاوتة من الشرور وقبول أقل قدر من المفاسد، درءًا لما هو أكبر، وهو يستشهد على اليسر في التفكير الإسلامي بأنه قائم على العديد من التوجيهات القرآنية ("يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر") والنبويــة ("يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفــروا") وكيف نهى الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن التشدد والغلــو (موقفه مع معاذ بن جبــل، وإطالة القراءة في الصلاة) وهو ما صدقه الإمــام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الشهير "الموافقــات" معتبــرًا إيـاه أحد مقاصد وضع الشريعة للتكليف. ولا يلبث هويدي أن يستعرض أراءً لكبــار الفقهـاء في هذا الصدد والتأكيد على أن الإسلام دين يســر لا عســر، أمثـال د. محمد يوسف موسى الذي حدد أسسًا ثلاثة للتشريع الإسلامي في كتابه "الإسلام وحاجة الإنســان إليه" أولهــا عدم الحرج والمشقة، وثانيهـا رعاية مصالح الناس جميعـًا، وثالثهـا تحقيق العــدل بل العدالة الشاملــة. وهنـاك أيضــًا عبد العزيز جاويش في كتابه "الإسلام دين الفطرة والحرية" الذي يحدد فيه 11 أصلاً للإسلام أولهـا الاجتهــاد، وثانيهـا القصد في الأعمال، وإقامــة ما لا يشق على النفــوس من التكاليف، هذا فضلاً عن دعوة د. يوسف القرضاوي في كتابه "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف" شباب الجماعات الإسلامية المعاصرة إلى التخلي عن التشدد والغلو، والتزام جانب الاعتــدال واليسر خصوصًــا مع عامة الناس الذين لا يطيقون ما يطيقه الخواص من أهل الورع والتقوى.

ثمــة أمــرٍ ينبهنـا إليه هويدي وهو أن التيسير المطلوب لا يكون بتطويع الأحكام الشرعية لتكون في خدمة الواقع، ممـا يؤدي إلى الانخــلاع من الشريعــة تدريجيـًا، ولكن ما يُسعى إليــه أمران:
1) الاعتدال في فهم النصوص وتناولها بصورة لا تشق على الناس.
2) الاهتداء بالمصالح المشروعة في استنباط الأحكام الشرعية الجديدة، انطلاقــًا من فهم رحب للنصوص القائمــة والمقاصد المُستهدفة.
وهو هنــا يذكرنـا بالقاعدة الشرعية التي تقـول بأن الأصل في الأشيــاء الإباحة والحل، ما لم يقُم دليل شرعي على التقييد أو المنع، وبذلك يتوجه هويدي بالخطـاب إلى أهل الدعوة والتقوى بالأخص بحسبان أنهم من يقودون جماهير المسلمين أو يرشدون عامتهم، ويستشهد بآراء كل من الشاطبي، وابن القيم، والقرافي عن الفقيه الثقــة وما يمكن أن يواجهه الفقيه الحق من تحديات حتى يحسمهـا، فهو مطالب ليس فقط بالتمكن من الأدلة الشرعية ومعرفة أسرارهــا، ولكنه مطالب أيضــًا بفهم عميق للواقع وملابساته.

ولا يزال الحديث مستمرًا عن التشدد والمتشددين وما أفرزوه من ظواهر غريبة تفشت في مجتمعاتنا يمثلهـا هويدي في "أمراء الصعيد المحدثون" في الفصل الرابع، إذ يحدثنـا عن تلك النشاطات المنسوبة إلى العمل الإسلامي في صعيد مصر، والتي قامت على يد بعض الفصائل والجماعات الإسلامية، احتلت صدارة الصحف والقنوات الإعلامية، ويقودهــا شباب محدثين ينصبون أنفسهم "أمراءً" لجماعة المسلمين، تباشر سلطانًا على الناس باسم حراسة الآداب العامة ووقف المعاصي ودرء المفاسد، ويعملون على تحريك دواعي الفتنة بين الأقبـاط والمسلمين. ويرى هويدي أن مهمة كهذه أكبر من طاقة الفرد، مما يستدعي مشاركة أهل السياسة وأهل العلم فيهــا، دون مشاركة أهل الضبط والربط. ويعزي ظهور تلك الجماعات إلى شقين: الفراغ السياسي (العجز السياسي إن شئت الدقة) والمعالجات الإعلامية التي مورست على صفحات الصحف والمجلات المصرية (المعارضة منها والقومية على حد سواء) التي ساعدت بدورهـا على تفاقم الظاهرة لا الحد منها؛ حيث دارت باتجاهاتها المختلفة – كما يقول هويدي – في فلك التقرير دون السبر والتفكير؛ بما يعني أن المعالجة الإعلامية عنيت بالمحاكمة أكثر من عنايتها بالمناقشة إزاء تلك الوقائع، فضلاً عن تأثر معالجة تلك الأحداث بالحسابات الخاصة لكل طرف، وكذلك سياسة التهويل والتهوين إزاء تلك الأحداث، والذي يجرح بدوره موقف التقرير الذي التزمت بحدوده تلك المعالجات ولم تتجاوزه. ومن هنـا يزعم هويدي أن "التقرير" الذي ظل أسير الوقائع في المعالجات الإعلامية المصرية جاء منقوصـًا من زاويتين: رصد الحاضــر، والسياق التاريخي للأحداث.

وينتهي بنـا هويدي إلى تلك الثغرات التي كشفت عنها التجربة، والتي بدورهـا تحتاج لمناقشة جدية ومسئولة:
1) افتقاد المعالجة الإعلامية للأحداث أغلبهـا إلى الحيـاد والموضوعية الذي أصاب الجميع بالتوتر إضافة إلى تشويه غير مبرر للواقع.
2) غيبة العمل السياسي عن حياة الناس وعن التأثير في مجريات أحداث الشارع.
3) استرداد هيبة الدولة في محافظات الصعيد بإقرار النظـام والضبط والربط والفاعلية الحقيقية في حياة الناس.
4) وضع أجيــال الشباب الذين يبحثون عن دور في المجتمع فلا يواجهون إلا بالصد والإحبـاط واليأس، فيجدون منفذًا في تكليف إلهي يُطوّع وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكــر.

في الفصل الخامس "ليس دفاعـًا عن المنكــر" يستكمل هويدي ذاك النقــاش المتعلق بأمراء الصعيد وفتاواهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعزي ذلك ليس فقط إلى الفراغ السياسي ولكن أيضــًا الفراغ الديني (يقصد به ضعف أو انعدام تأثير رموز الإسلام ومؤسساته ومجالسه، وتأثير البرامج والصفحات الإسلامية على الشباب المتدين، والقصد هنا لهؤلاء المتحمسين لخدمة دينهم والالتزام بتعاليمه، وهم يعتبرهم هويدي تربة خصبة يزج منها التطرف أو الاعتدال بمختلف درجاتهما ومسمياتهما)، حيث فقد الخطاب الإسلامي مصداقيته وفاعليته بين الشباب؛ لأنه يتحدث على موجة واحدة، فمحطات الإرسـال كلها تابعة للدولة، والمتحدثون على مختلف قنواتها ومنابرهـا "موظفــون" في نهاية الأمر، ولمــا كانت العلاقة بين الشعب والحكومة في أساسها معدومة ولا محل للثقة، انعكس ذلك على تلقي تلك الفئات للخطاب الديني. كمــا كان لمنابر الإعلام القومية التي تسهم بأدائهـا المبالغ في انحيــازه لمواقف السلطة دورًا في تعميق الهوة بين الشارع الإسلامي والخطاب الإسلامي (يستدل بذلك على واقعة شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي مع الصحافة القومية التي نقلت عنه كلامـًا غير دقيق بخصوص تأييد حق مسئول الجامعة في منع المنقبات من دخول الكليات حرفته عن قصد وسوء نيــة).

وفي ظل هذا الفراغ الديني، كما يقول هويدي، انتشرت فتاوى الأمراء المحدثين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد أعطوا لأنفسهم الحق في تغيير المنكرات باليد، بعد الوعظ والنصح، ثم الإغلاظ في الكلام، ثم التهديد بالتنفيذ، الذي يعقبه التنفيذ مستشهدين بحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – : "من رأى منكم منـكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه". ويعلق هويدي على ذلك مفندًا آراءه بأقوال فقهـاء الأصـول الذين وضعوا قواعد وضوابط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يتحول من وسيلة للتقويم والإصلاح إلى بابٍ للفوضى والفتنة، قد حددوهـا في ثلاثة أمـور:
1) أن يكون الآمر أو الناهي عالمـًا بالأمـر فيما يأمر وينهي.
2) أن يعلم أو يغلب على ظنه أن أمره أو نهيه مؤثــر.
3) ألا يكون في الأمــر بالمعروف والنهي عن المنكـر مضرة أعظم منه.

وعن مراتب تغيير المنكر يستشهد هويدي بما قاله الشيخ شلتوت في هذا الشــأن في كتابه "من توجيهات الإسلام" ألا وهي:
1) التغيير باليد، وهو أوجب على صاحب السلطان، بما وضعه الله في يده من وسائل التأديب والزجر بما شرع من عقوبات، وبما فُوِّض إليه من تعزيرات.
2) الوعظ الحسن النافذ للقلوب، المؤثر في النفوس، ويكون على يد رجال الدين والتربية والإعلام والنشــر.
3) أما من يعجز عن أن يفعل أو يقول، فلينـأ بنفسه عن المنكر حتى لا تكون عونــًا له (مستدلاً بذلك على مواقفَ لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هؤلاء الناس دائمي النقد والتنكير لمعايب الآخرين دون أدنى اهتمام منهم بتغيير أنفسهم وإلزامها بالمعروف وعزوفهـا عن المنكر).

وعن هؤلاء الشبان المنساقين وراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون وعي أو تفكير، يتساءل هويدي عن إمكانية انغماسهم في الوظائف الاجتماعية والعلمية ومختلف الأنشطة الحياتية الأخرى حيث ذلك أفضل لهم، ولكنه سرعان ما يؤكد صعوبة ذلك؛ فتلك المهــام تحتاج إلى دأب وصمت وصبر، لذلك فالإقبــال عليهـا قليل الجهد والبحث، راجعـًا تلك الظاهرة إلى قضية التربية الإسلامية في مجتمعاتنا مع ظروف أخرى اجتماعية واقتصادية ضاغطة لهـا إسهاماتها في مثل ذلك التطرف.

قضية أخرى يثيرهــا فهمي هويدي في الفصل السادس المُعنْوَن "السنة بين الافتــراء والاجتــراء" ألا وهي "التطرف الفكـري"، وبروز تلك الجماعات التي تنادي بالقرآن الكريم وحده مصدرًا للتشريع وإنكــار السنة، فهو المصدر الأول والأوحد والأكمل للشريعة، يستدلون بالآية الكريمة: "ما فرطنــا في الكتــاب من شيء" (د. أحمد صبحي منصور، إذ يرى أن الأحاديث النبوية منها ما هو مدسوس وموضوع لظروف تاريخية معينة). ويعقب هويدي على تلك الظاهرة قائلاً: "إنه إذا كنا بصدد قضية رأي في أول الأمر، إلا أن الكلام الذي يروج له هؤلاء ليس فيه من الاجتهــاد شيء، لكنة قراءة رديئــة لمقولات ترددت في أزمنة قديمة رُد عليها وحُسم أمرهــا منذ قرون"(الجلال السيوطي في القرن السادس عشر، والبغدادي، وقد تصدى لهم علمــاء المسلمين الأفاضل أمثــال ابن حـزم، والشيخ محمد أبو زهرة؛ ومن المعاصرين، المستشرق اليهودي المجري "جولد تسيهر"، وقد أخذ عنه أحمد أمين في مؤلفه الشهر "فجــر الإســلام"، وكذلك الشيخ محمد أبو ريـة في كتابه "أضواء على السنة المحمدية"، وقد تصدى لهم أيضــًا الشيخ محمد عبد الرازق حمزة، والشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي).

وهنــا ينبه هويدي لأمور عديدة أثارتهــا القضية جديرة بالبحث والنظر تتمثل في:
1) كيفية تعامل أجهزة الأمن مع مثل هذه الموجات الشــاذة.
2) الفوضى العقلية التي نشهدهــا والتي تسمح لكل من هب ودب أن يخوض في أدق الأشياء وأكثرها حساسية باجتراء مدهش.
3) ظاهرة الفراغ الديني التي نعانيهــا.
4) المعايير التي باتت تُمنح بهــا الشهادات العالِميــة في الأزهــر.

"في فقــه المعارضــة" وحرية الرأي والتفكير، يحدثنــا فهمي هويدي في الفصل السابع، لينتقل بنــا من قضية الافتراء على السنة إلى سؤال يطرح نفسه عن ماهية هامش حرية التفكير المتــاح في الواقع الإسلامي، وكُفْــر من أنكـر حجية السنة (من حيث أنها معلوم من الدين بالضرورة) وقد اعتبرهمـا هويدي وجهان لعملة واحدة. ما هو المعلوم من الدين بالضرورة؟ كما يقول الأصوليون فهو كل ما كان من ضرورات الدين وثبُت بدليل قطعي الثبوت والدلالة، وعلى ذلك – يستطرد هويدي – أن من أنكــر السنة في مجموعهــا فهو واقع في محظور الكفــر (كما قال ابن حزم وغيره) أما من جادل في حجية الأحاديث فلا محل لتكفيره لأن الاختلاف أو الإنكــار هنـا ليس مُنصبــًّـا على أصل السنة، ولكن على بعض الأحاديث التي قد لا تكون قطعية الثبوت والدلالة.

ويعدد هويدي أراءً واقتباسـاتٍ بخصوص تلك المسألة وعدم إلقـاء الكفــر بحق الآخرين منها لابن القيم في "مدارج السالكين"، والإمــام الغزالي في كتابه "التفرقــة بين الإيمــان والزندقــة"، والشيخ محمود شلتوت، و د. محمد سليم العــوا في كتابه "أصول النظــام الجنائي الإسلامي". وعن إطــار ممارسة حرية الاعتقــاد الديني يلفت هويدي نظرنــا إلى "أبي الأعلى المودودي" عندمـا اقترح في مطلع الخمسينيات دستورًا إسلاميــًا لباكستــان كان اجتهــاده الذي أجاز لغير المسلمين بأن "يبينوا محاسن أديانهم، وأن ينتقدوا الإسلام في حدود القانون"، وبذلك يخلُص هويدي إلى أنه ينبغي للدولة الإسلامية أن تحتمل كل معارضة فكرية أو سياسية إلا أن يؤدي الأمر إلى إشهــار السلاح في وجه الدولة فيما يسمى حرابة الأرض يهدد الأمن ويروع الناس، ويستدل على ذلك بموقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من الخوارج الذين عارضوه وكفّروه، إذْ كان موقف الإمــام حينذاك هو الإطــار الذي تحرك فيه أكثر الفقهــاء والباحثين في معالجتهم لقضية حرية الرأي والاعتقــاد والمعارضــة في الواقع الإسلامي.

وفي الفصل الثامن يشير فهمي هويدي إلى فريضة غائبة متمثلة في "دور الأغنيــاء" في الاهتمـام بالشــأن العــام من إعانة المحتاج وإغاثة الملهوف، فهم مستغرقين في كل ما هو ذاتي وخاص، وإن سألتهم عن سر تقاعسهم لن يترددوا لحظة في التعلل بعدم الثقة فيما تباشره سلطة الدولة وتدعو إليه، الأمــر الذي ولّد قيمـًا سلبية انعكست بدورهــا على المجتمع وأفراده. يدعو هويدي لأن يتسع الأمــر ليستوعب جهودًا أخرى وإسهامات أخرى خصوصـًا بعد أن باتت الحكومات محملة بأعباء وتراكمات هي أعجز من أن تباشرهــا وحدهـا، ويشرح لنـا في المقابل نماذج رائعــة من الواقع المصري على تلك الجهــود التي التقى فيها أعيــان البلاد ووجهائهـا على مشروعٍ للعمل العــام، والتي فتحت أمام الجميع آفاقـــًا مهمة للمشاركة في صناعة مستقبل مصر منهــا "الجمعية الخيرية الإسلامية" (التي أسسها محمد عبده في عام 1892، وقد ساهمت في إنشــاء المدارس في بعض المدن)، الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن)، الصناعة في المحلة الكبرى.

ثم يحيلنــا هويدي إلى مفهوم وظيفة المــال وحق الناس فيــه في الثقافة الإسلامية، متمثـلاً في نظــام "الوقف" الذي يعرّفه بـــ"عقـار يخرجه المرء من سلطانه ويحبسه لصالح الآخرين وفي خدمتهم مبتغيــًا بذلك وجه الله وخير الناس على إطلاقهم"، وعلى هذا الأساس يقول هويدي: حيث أن المال مال الله، إذن فللناس فيه حق، سواء كان هذا المال مخزونـًا في بيت مال المسلمين (خزانة الدولة) أو مخزونـًا لدى الأغنيــاء، وحيث أن مسئولية الأغنيــاء تعززهـا وتلاحقها نصوص كثيرة وفتاوى حاسمة حازمة، فإذا حلت بمجتمع المسلمين أزمة وخلا بيت المــال أو عجزت الخزانة العامة للدولة عن الوفاء باحتياجات البلاد، فللحاكم إذا كان عادلاً أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيــًا لاجتيــاز الأزمة باتفــاق الفقهــاء.