(4)
يأتي الباب الرابع والأخير ليصارحنــا فهمي هويدي فيه ببعض الأزمات والمشكلات التي تمر بهـا مصر حاليـًا .. يحدثنـا في الفصل الأول عن "الرهــان المعلق" بمشاركة الإسلاميين في انتخابات مجلس الشعب المصري، وكيف أن مختلف عواصم العالم المعنية بالشرق الأوسط أو بالظاهرة الإسلامية عمومـًا ترصد وترقب ما يحدث في القاهرة إزاء مشاركة الحركة الإسلامية بهذه الكثافــة في الحيــاة النيابيــة، ويرى هويدي أن مثل تلك الخطوة تمثل نقلة نوعية هامة في أدوار القوى المختلفة على المسرح السياسي المصري، كما يمثل اختبارًا تاريخيـًا بالغ الأهمية للحركة الإسلامية لمصر، يستبشر بهـا خيرًا رغم ما يراوده من مخاوف يلفت نظرنـا إليهــا ألا وهي:
1) أن الإسلاميين ليســوا فقط أولئك الذين يمثلون جماعة الإخوان، ولكنهم كل من شُغل بالهم الإسلامي العام، وعمـل لأجله، وبهذا فإن دائرة الإسلاميين تتجاوز بكثير إطـار الجماعــة، وكذلك دائرة التحالف مع حزبي العمــل والأحــرار.
2) إن الإسلاميين بمختلف طبقاتهم ودرجاتهم لا يحتكرون الإسلام لحسابهم، كما أنهم ليســوا حجة على الإسلام بأي معيــار، فخطاب الإسلام موجه للناس كافــة، وباب العمل لأجله مفتوح بالتالي لكل الناس كافــة، بغير وصاية أو قوامة من أحد على أحد.
3) إن الإسلاميين الداخلين إلى مجلس الشعب بشــر، يختلفون في الفهم والمدارك، كما قد يختلفون في الطموحات والمصالح، ورغم أن الجميع يلتحفون بعبـاءة الإسلام، إلا أن ثمة تمايزًا في قسماتهم، ليس فقط بين الإخوان وخريجي المدارس الأخرى، ولكن بين خريجي مدرسة الإخوان أنفسهم.
4) إن هؤلاء الإسلاميين حديثو عهدٍ بممارسة العمل السياسي من خلال المؤسسات الدستورية الشرعية لأسباب معروفة، لذلك فقد لا تتوقع منهم إجادة كافية لقواعد اللعبة السياسية أو البرلمانية.
وعن أداء الإسلاميين من ممثلي تحالف (الإخوان، العمـل، الأحــرار) لا يستبعد هويدي أن تتراوح مواقفهم وممارساتهم بين محاور أربعــة:
1) خوض معارك الماضي (حساب جماعة الإخوان مع ثورة يوليو)
2) الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.
3) التركيز على مفاسد المجتمع ومباذله.
4) التركيز على مشاكل الوضع الراهن.
ويسجل هويدي رأيه في هذا الموضوع قائلاً بأن سلامة المنطق لا تتوفر إلا إذا دخلنــا إليه من باب الشــــــورى، فهمي تطبيق للإسلام في المجالين السياسي والدستوري. ومن هنـا يدعو هويدي الإسلاميين بترتيب الأولويات (حسن البنــا في كتابه "الدعــوة والداعيــة") فهؤلاء الذين يتصورون أنهم سوف يصلحون الكون دفعةً واحدة من تحت قبة البرلمــان "يملكون من حسن النيــة أكثر ممـا يملكون من الإدراك"، لذا فهو يشدد على ضرورة التدرج، وحتى يتم التدرج فلابد للأولويات أن تكون واضحــة، وحتى تبدو الأولويات واضحة فلابد لهـا الأخرى أن يقوم ترتيبهـا على حسن قراءة الواقع (مستشهدًا بآراء ابن القيم، وابن تيمية).
ثم يقودنـا هويدي إلى نقطة أخرى تتعلق بالممارسات الديمقراطية تحت قبة البرلمـان في الفصل الثاني "جراح انتخابيـة"، فينتقد تلك المعارك الانتخابية التي أصابت أمورًا أربعـة في مقتـل:
1) الوحدة الوطنيــة: فهي في النهج الإسلامي مما لا يُفرط فيه بأي حال (يستدل بقصة سيدنـا موسى – عليه السلام – وموقفه من أخيــه هارون الذي سكت على عبـادة "السامري" للعجل الذي صنعه، ودعوته القوم لعبادة ذلك العجــل) حيث وقعت نسبة غير قليلة من الكتابات المنتَقِدة لموقف الإسلاميين في المحظور، وسعت بقصد أو بغير قصد إلى تلغيم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، إذ خرجت المسـألة عن كونهـا نقد لبرنامج أو لأشخاص واتخذت هذه النقطــة صورة التخويف من الإسلام والتنفيذ من تطبيقه فضلاً عن الحط من شـأن تعاليمــه.
2) الانتمــاء الإسلامي: حيث أنه في سياق نقد الإسلاميين كان المحور الأساسي في المعالجــة يقوم على المنطوق التالي "كل متدين متطرف، وكل متطرف سفاح، وكل سفاح يجب أن يلفظه المجتمع" الأمر الذي يعتبره هويدي جرأة لا توصف، وبناءً عليه طولبت الأجهزة الأمنية للدولة بأداء واجبهـا التاريخي لتطهير الوطن من حفنة المتدينين الذين يهددون الاستقرار ويخوفون الســادة المستثمرين.
3) النظــام الإسلامي: فكمـا حدث في مسألة الانتماء الإسلامي، فإن الحوار تجاوِزُه حدود الصراع بين فرقاء يتنافسون في المعركة الانتخابية إلى توجيه مهــام النقد والتجريح للنظــام الإسلامي، فسمعنـا عن الحكم الإلهي، والخليفة المعصــوم، وظل الله في الأرض، وتكفير المعارضين وإهدار دمهم، وسيف الجلاد المُشهر في كل مكان. ويعلق هويدي على ذلك قائلاً بأنه "قد بُح صوت المسلمين وهم يقولون بأن ثمة تفرقــةٍ بين المصدر الإلهي للشريعة، والسند القانوني للنظام السياسي، وكونهـــا شريعة إلهيــة لا يعني بالضرورة أن الحكومة الإسلامية حكومة إلهية، ولكنها حكومة بشريــة، يملك أصغر الناس شأنــًا – بمقتضى الأوامر القرآنيــة – أن يتوجه أعلى الناس مقامـًا فيها، آمرًا بالمعروف وناهيـًا عن المنكر، والحاكم ليس إلا "أجيــرًا" بمقتضى عقد، للأمة أن تفسخه إذا أخل به، والسمع والطاعة له مرهونان بمدى التزامه بكتاب الله وسنة رسوله".
4) الدستـــــــور: حيث حاول البعض أن يسمم موقف الإسلاميين فيه بدعـوى أنهم يتبنون الدعـوة إلى إسقاطه لأنه دستور غير إسلامي (رد الدكتور عمــارة على تلك الفرية في مقاله "بل معركة تطبيق الدستور"، وحسن البنــا في رسالته "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي").
نقطة أخرى يراها هويدي جديرة بالمناقشة والمراجعـة وهي وضع الإسلاميين على مسرح العمـل العـام في مصر، السياسي وغيره، حيث يقول أن الدين مكوِّن أساسي في هذا المجتمع، لا يمكن تجاهله أو إنكاره، ولم يعد مقبولاً بحكم العقل أو بحساب المصلحة الوطنية الخالصة أن يبقى التيـار الإسلامي منفيــًا من الواقع، ومحذوفـًا من الشرعية، وساقطـًا من خريطة القوى السياسية خصوصًا وأنه قد أضحى ظاهرةً متنامية على مستوى العالم ككل، موضحـًا أنهم دخلوا ساحة الانتخاب من باب اللاشرعية القانونية، والتي هي مفروضة، لا طوعية، والمنطق الرشيد يدعونا إلى ضرورة إفساح هذا المجـال لهذا التيــار ليجد مكانه في ظل القانون والشرعية، وهؤلاء الكتاب "الديمقراطيين" الذين يرددون القول بأن شرعية العمل الإسلامي يفتح الباب للصراع الطائفي، إنما قولهم تهافت وافتعـال، وعلى ذلك يدعو هويدي لأن يتوفر لدراسة الموقف فريق عملٍ مسئول (سياسي وأمني) يتولى تقليب الأمر من مختلف جوانبه: "إننا لا نريد أن ننتقد جمود الفكر الديني من ناحية، ونمارس جمودًا سياسيـًا من ناحية ثانيــة".
في الفصل الثالث يحدثنـا هويدي عن نوع مستجد من الإرهـاب، يتمثل في "التعريض والتخويف والتحريض"، ويتساءل عما إذا كان هناك أمل في نجاح تجربة مشاركة الإسلاميين في مجلس الشعب المصري أم لا .. وهو يعزي ذلك إلى أمرين: أداء الإسلاميين أنفسهم، والتناول الإعلامي لذلك الحدث الهام في ساحة العمل السياسي المصري .. وعن هذا الأخير – يقول هويدي – فقد افتقد – كقاعدة – إلى الحد الأدنى من الموضوعية والإنصـاف، وفي إطار ذلك التناول غير الصحي، فإن نسبة قليلة من تلك المعالجات قد تجاوزت الإنصاف إلى حد تخويف عامة الناس وإثارة نفورهم وقلقهم. وبقدر ما حدث ذلك أثناء المعركة، إلا أنها استمرت بعد انتهاء المعركة، الأمر الذي يوحي بأن المسألة لا تقتصر فقط على المعارك الانتخابية، وإنمـا الصراع الحقيقي هو ضد التيار الإسلامي في مجمله، سواء في الشارع أو تحت قبة البرلمان ("جماعة الجهــاد" وإدانتها لمبدأ المشاركة في "اللعبــة البرلمانيــة" مما يُعد تكريســًا للواقع الجاهلي، واجتماع معسكر التطرف الإسلامي والمربع العلماني في مجمله – المعتدل منه والمتطرف – على ضرورة تعطيل مسيرة التيـار الوسطي المعتدل، وحجبه عن الظهور بأي وسيلة).
ومن هنــا يورد هويدي أمورًا ثلاثة جديرة بالمناقشة:
1) علاقة التطور الذي شهدته مصر (نتيجة الانتخابات) بالاستقرار: حيث يؤكد هويدي أن مسألة الاستقرار في المجتمع من الأمور التي لا تحتمل الهزل والعبث، وضرب مثلاً بفقه أهل السنة الذي أُخذ عليه أحيانـًا أنه بالغ في الدعوة إلى الاستقرار وتجنب الفتنة (خصوصًا بعد الفتنة الكبرى بمقتل عثمان بن عفان وحدث الشرخ في الواقع الإسلامي بعد معركة "صفين") وهو هنا يشدد على الكيفية التي يتم بها هذا الاستقرار، ويقول بأن الحزم والحكمة مطلوبان لعلاج تلك النقطة: الحزم من جانب السلطة التي ينبغي ألا تتهاون مع أي طرف يخل باستقرار الوطن، والحكمة من جانب القوى السياسية والسلطة، فالأولون مطالبون بأداءٍ يسهم في الاستقرار، أما أجهزة السلطة فمطالبة بتجنب الصدام مع القوى السياسية.
2) القول بمتاجرة الإسلاميين بالدين للوصل إلى السلطة: ويرد هويدي بأن العمل بالدين أو به ليس كله تجارة، كما أن استهداف الوصول إلى السلطة ليس مما يشين تيارًا سياسيـًا أو يدينه في أي نظام ديمقراطي حول العالم، وعليه فلا غضاضة أبدًا في أن يطمح الإسلاميون أو غيرهم في الوصول إلى السلطة، بشرط أن يتم ذلك بالوسائل المشروعة وعبر القنوات الشرعية، وليس بالتآمر والانقلاب على الواقع.
3) لافتــة الحل الإسلامي: وقد تعرضت لظلم غير مبرر له، ما بين اعتقادٍ بأنها "تغييبــًا" و "خدعــة"، وبين دعوة للدولة الدينية، وإثارة للفتنة الطائفية، وعليه فإنه يعقب هويدي بأنه ليس مطلوبـًا من الشعــار أكثر من أن يكون بمثابة سهمٍ يشير إلى الاتجــاه.
ومع الفصل الرابــع إذ ينبهنـا هويدي إلى ما هو "أســوأ من الإرهــاب"؛ ألا نعرف كيف نتعامل معه بالكفاءة المطلوبة؛ فعلاج الأزمة وتوقي شرور العنف لا يكون فقط بمجرد إحباط الفعل والقبض على الفاعلين، وإنمــا يُقاس إنجازه الحقيقي بمعيار ترشيده لرد الفعــل من ناحية، وبمقدار شجاعة التصدي لجذور العنف ومنابعه من ناحية ثانية، ومثل تلك المهام "لا يقدر عليها إلا أولو العزم من أهل القرار والسلطان، الذين يملكون القدر الكافي من وضوح الرؤية والإخلاص للهدف، وجرأة المواجهة، والارتفاع فوق الجراح والنزوات والأهواء". ثم يستعرض أمثلة لمحاولات اغتيال كل صاحب قلم ورأي (مكرم محمد أحمد رئيس تحرير جريدة المصور) وردود الأفعــال إزاء ذلك والتنديد به (إبراهيم سعدة، رئيس تحرير أخبار اليوم).
ويعقب هويدي بأنه ليس من مسئولية الكلمة أن تروع الناس وتصور لهم أن مصر على أبواب الجحيم، ولا أن تُتهم كل الأحزاب "بمجاملة قوى الإرهاب"، ولا أن يُهاجم التدين ويُلمز المتدينون في سياق نقد العنف والتطرف، ولا أن يفتي أحدهم بأنه إذا كانوا يعلنون كفرهم بالوطن، فمن حق الوطن أن يكفر بهم؛ وإنمـا الكلمة المسئولة التي يراها هي الكلمة الهادية والمبصرة والكاشفة، وهي أشد ما نحتاج إليه في هذه المرحلة من جانب أهل الرأي. وهو هنا يستشهد بما كتبه الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي بـــ"الأهرام" آنذاك حيث أفتى للخلاص من الإرهاب وحماية الحرية لا تكون إلا بمزيد من الحرية، وكذلك رأي الدكتور محمد نور فرحات بـــ"المصور" الذي اعتبر أن الخوض في أمر الفاعل في محاولتي الاغتيال من شـأن "الشرطي الخاص"، وعليه يقترح هويدي بضرورة الانشغـال بالقضية الواجب البحث فيها ألا وهي "ظاهرة تنامي العنف في المجتمع المصري"، مؤكدًا في نهاية الأمــر "أن التصدي الجــاد للعنف لا يكون إلا بملاحقة أسبابه في مكامنها ومحاضنها، وهؤلاء الذين يتصورون أن القضــاء على العنف يكون بالإجراءات الاستثنائية وباستئصال شأفة فريق أو جماعة من الناس، هؤلاء ليســوا إلا دعــاة شــر وقرناء ســوء، يريدون لمسلسل العنف أن يتوالى ويتصل".
قضيتان مهمتــان يثيرهمـا هويدي في الفصل الخامس في حديثه عن الإسلاميين وما يتعرضون له من اتهامات وتجرؤات بوصفهم بأصل الداء والبلاء والرزايا والعبر: "نفي الإسلاميين من الواقع"، و"نفي الإسلام من الواقع". أما الأولى فيعقب هويدي بأنه إذا كان الإسلاميون قد أخطئوا في التعبير عن أنفسهم، أو أن السلطة قد أخطأت في النهج والتقدير، فالحاصل أن الطرفين لم ينجحا في التوصل إلى صيغة تكفل الحل السلمي أو التعايش بينهما، وبالتالي كانت تُرجَّح كفة النفي من الواقع الذي اتخذ صورًا عديدة؛ من الخمسينيات حيث كان ميسورًا ضرب الحركة الإسلامية وتطويقها نسبيـًا (والتي تسببت في نسبة غير قليلة من التشوهات الفكرية السائدة) إلى السبعينيات حيث تنامى الجسم الإسلامي بصورة مطردة، وتجاوز حدود الحركة الواحدة، وصار الهاجس الإسلامي يلح على قطاعات عريضة من البشــر .. وبذلك يخلُص هويدي إلى أن فكــرة "نفي الإسلاميين" مستحيلة تمامـًا.
أما عن "نفي الإسلام من الواقع" فيشرح لنـا هويدي (مستعينًا بما كتبه الدكتور فهمي جدعان، أستاذ الفلسفة بجامعة اليرموك الأردنية، في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام") كيف بدأت الفكرة بعدمـا طلعت علينـا طلائع بعثات الدارسين العرب إلى أوروبا في القرن الثامن عشـر، وعادت مشدودة "بنظامات الإفرنج"، وعلى إثرهـا ظهر في مصر حينذاك التيار الداعي إلى نفي الإسلام من الواقع (محمد حسين هيكل، طه حسين، محمود عزمي) وكان موقف الشيخ رشيد رضــا من ذلك أن اعتدهـا دعــوة إلى "محو السلطة الإسلامية من لوح الوجود". وعن تساؤله بإمكانية ذلك، يرد هويدي بأنه ربمــا نجحت محاولات النفي الجزئي للإسلام، عن طريق تعطيل تطبيق الشريعة الإسلامية في عدد من الدول العربية، إلا أن الدين ظل باقيــًا وحاكمـًا لسلوك وعلاقات الأغلبية الساحقة من المسلمين. ويخلُص هويدي إلى أنه إذا نحينا البعد العقيدي في الموضوع، فثمة خطــأٍ فادح بأبسط قواعد التعامل مع الواقع، فالعنصر الديني له دور في تحريك جموع البشر وتفجير طاقاتهم المخزونة والمعطلة، واستنهاض هممهم لمواجهة أعتى التحديات، الأمر الذي بدوره يولّد نهضة اقتصادية التي بدورها تمنحنـا اكتفاءً ذاتيـًـا، فلا نعيش عالةً على غيرنا في خبزنا وكسائنا وسلاحنا. واعتبر هويدي أن نفي العنصر الديني لا يجرح دين الداعين إليه فقط، وإنما يجرح وطنيتهم كذلك؛ لأنهم بدعوتهم تلك يحولون دون استثمار هذا الكنز العظيم الذي هيأه الله للناس، فضيعوه وضيعوا أنفسهم.
سؤال يطرح نفسه هنــا، حيث أن نفي الإسلام غير وارد، وكذا نفي الإسلاميين غير ممكن، فما هو إذن ذلك الجهد المبذول لأجل تشكيل وعي إسلامي رشيد يحصن أبناءنــا وشبابنـا ضد الجنوح والتطرف والعنف؟ ويجيب هويدي آسفــًا بأن ذلك الوعي الإسلامي الرشيد ليس مُدرجـًا في قائمة أولويات الدوائر المسئولة عن التوجيه والتربية وإعداد البشــر، وعليه يطالب المعنيين بالأمــر بالتــزام "الوضــــــــوح" بحيث لا تكون المؤسسات الدينية في وادٍ، والمؤسسات التربوية والثقافية في وادٍ آخر، بينمـا تتحرك المؤسسات التعليمية في وادٍ ثالث!!
عن الأقبــاط ومشاكل الأقبــاط في مصر، يفتتح هويدي الفصل السادس بـــ"مواطنــو الدرجــة الثانيــة" مشيرًا إلى تلك العلاقة المتوترة بين الأقبــاط والمسلمين، والتي بدأت بتعرض بعض الإسلاميين للمسيحيين ومعتقداتهم بسوء القول والعمل، وهي – كما يقر هويدي – مشكلة تفتح الباب لمفاسد ثلاث على الأقل، كل منهـا أســوأ من الأخرى، إذ أنها تهدم علاقة البر والقسط التي دعــا القرآن إلى إقامتها مع غير المسلمين، وهي تنسف وحدة الوطن وتمزق شمله، وهي تجرح وجه الإسلام ذاته، وتشوه مشروعه الحضاري. واستدلالاً برأي بعض المسيحيين الظانين بأن النظام الإسلامي لا يتيح لهــم مكانًا أو فرصة للتقدم الوظيفي، يرى هويدي أننا بصدد ظاهرة من شقين:
1) موقف خاطئ لبعض الدعـاة الإسلاميين.
2) معلومات خاطئة لدى بعض الأقبــاط وبعض المثقفين المسلمين.
ويذكرنــا مرة أخرى بقصة سيدنـا موسى عليه السلام حينما ترك بني إسرائيل في عهدة أخيه هارون لبعض الوقت، بعد أن دعاهم إلى عبادة الله وحده واستجابوا له، لكن أحدهم – يدعى السامري – قد زاغت عقيدته فصنع عجلاً ذهبيـًا للتعبد، وتبعه آخرون، وهو ما سكت عنه هارون خشية أن يقول موسى أنه فرق بين بني إسرائيل، إذ يرى هويدي أننا هنـا بصدد تغليب مصلحة على مفسدة، وهي ذات القاعدة التي قدرها الأصوليون عندما أثبتوا أن الشريعة مبنيةً على جلب المصالح ودرء المفاسد.
وفي محاولة منه لقراءة الأوضاع ونسف تلك الفكرة الخاطئة عن الإسلام، ينبــه هويدي أولاً إلى ضرورة انتبــاه الجميع بأن هناك إطارًا مرجعيـًا لكل ما يُنسب إلى الإسلام، يتمثل أولاً في نصوص القرآن وروحه ومقاصده، وثانيـًا في الصحيح الثابت من السنة، وكل ما عدا ذلك فهو اجتهاد بشر، يحاكم بالقرآن والسنة. ما من نص قرآني أو حديث نبوي لا يحث على تكريم الإنسان وحفظ كرامته بصرف النظر عن اعتبــاره أو جنسـه أو لونه، فضلاً عن أن اختلاف الناس في الدين واقعٌ بمشيئة الله تعالى، الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيــار فيما يفعل ويدع: "فمن شاء فليؤمن، ومن شـاء فليكفر" (ما قاله د. يوسف القرضاوي في كتابه "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي") وبنــاءً عليــه يقول هويدي بأن الانتقـاد من عقائد المسيحيين ينال من كرامة إخوة لنــا في الوطن، وهذه خطيئة أولى، وهم بذلك يقفون موقف من يرد في مشيئة الله تعالى في اختلاف الناس، وتلك خطيئة ثانيــة، وهؤلاء من يمارسون سلطانًا على الآخرين لم يمارسه النبي – صلى الله عليه وسلم – (باعتباره مبلغٌ فقط عن الله سبحانه وتعالى، بينما الاستجابة، أو الاعتراض أو الرفض فهذا من شــأن الله واختصاصه وحده) يُعد خطيئة ثالثــة. وعليــه أيضــًا يقــر هويدي بأن مسألة المواطنة من الدرجة الثانية، التي تصنف غير المسلمين في متربة أدنى من المسلمين في الحقوق المدنية والإنسانية، إنمـا هي محض افتــراء على الإسلام لم تقــره نصوص القرآن ولا السنة الشريفة، إذ جعل الله عز وجل مقياس التفاضل بين البشــر هو التقــوى، وهو هنــا يستدل بآراء كبار علمـاء الإسلام: إذ يقول د. محمد سليم العــوا في كتابه "النظام السياسي للدولة الإسلامية" بأنها من مبادئ الإسلام وقواعده الكلية، التي تُفهم على أساسهـا وتُستنبط منها الأحكــام الجزئية في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، في حين أقــر د. القرضاوي بأنه: "لأهل الذمــة الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلُبت عليه الصبغة الدينية"، وتحدث الماوردي قبل ألف عام في كتابه "الأحكام السلطانية" عن جواز تعيين وزراء غير مسلمين في الحكومة الإسلامية.
ثمــة أمر خطير يقلقل صعيد مصر ينبهنـا إليه هويدي في الفصل السابع، ألا وهو "الطائفيـــة"، ويستغرب من وقوف رموز الأطراف مباشرة موقف المتفرج مما يجري، كذلك ترك السلطة وحدهــا في الساحة فتتحول القضية إلى مسألة أمنية منوطة بالشرطة والدرك، وليست قضيةً سياسية تؤرق الضمير الوطني، وتحتل مقدمة الهم العــام ومحاولة التصدي لهــا وعلاجهــا. ويتساءل هويدي عن سر ذلك الخوف والاستحياء من وجود هذه الأمراض بيننـا، في حين أنه لا يخلو أي مجتمع بشري على وجه الخليقة منهـا (العنصرية في الولايات المتحدة، الطائفية في آيرلندا بين الكاثوليك والبروتستانت). كما يتساءل لماذا لا يتم طرح المشكلة بكل الوقائع الصحيحة وبحجمها الحقيقي، ثم اُعتبر حلها مسئولية الجميع، ودُعي كل طرف لأن يتحمل مسئوليته إزاءهــا بدلاً من لغة الخطـاب تلك التي تراوحت بين التهويل والتهوين؛ من تسرع بالحكم وإلقـاء اللوم على "المتعصبين الإسلاميين" دون متعصبين آخرين من الطرف الآخر، وبين من وجدها فرصة لتصفية الحسابات وفتح النار على المؤسسات الاقتصادية الإسلامية؟
وعليه يقول هويدي بأن القراءة الرشيدة للموضوع كامنة في ملف العلاقات الإسلامية والمسيحية، فسِفر الطائفية في الملف الكبير يقول صراحةً: إن باب الفتنة ينفتح على مصراعيه في حالتين: اختراق الصف، أو تراجعه وانحســاره (مستدلاً على ذلك بما حدث في منتصف القرن الرابع الهجري، إذ بدأ التعصب بين المسلمين والنصارى بصورة مهدِّدة للأمن، تعصب "الحنابلة" وكثرة مهاجمتهم لغير أهل مذهبهم من المسلمين فضلاً عن النصارى، محاولات الصليبيون والتتار اختراق صفوف الأرمن والسريان واليعاقبة والنساطرة، ظهور قضية "المِلل" أو الأقليات في مرحلة تحلل الدولة العثمانية في القرنين (18، 19)، الحملة الفرنسية على مصر، الاحتلال الإنجليزي لمصر). ولا ينسى هويدي أن يذكرنــا بالفترة التي بلغت فيها الفتنة ذروتها، بين عامي 1908 و 1911، والتي دفعت بعقلاء الأمة المسلمين والمسيحيين على حد ســواء لرأب الصدع، والحث على لم الشمــل وجمع الكلمة (ويصا واصف، د. وليم قلادة "المسيحية والإسلام على أرض مصر"، د. محمد حسين، طارق البشري "المسلمون والأقباط في إطـار الجماعة الوطنية") وفي عام 1911 تمثل العقل القبطي في توفيق دوس، وسينوت حنـا، ومرقص حنــا، في حين تمثل العقل الإسلامي في أحمد لطفي السيد، وأحمد عبد اللطيف، وعبد العزيز فهمي.
ثم يقدم لنــا هويدي "هوامش على أوراق قبطية" في الفصل الثامن، فيقول إن تتبع مؤشرات العنف والطائفية لا تقتصر على الطرف الإسلامي فحسب، ولكن تمد لتشمل بعض الأوراق المهمة للطرف المسيحي أيضــًا، ولمباشرة تلك القراءة ثمة أمورٍ أربعـة نضعها في الحسبان:
1) الإقرار التــام بمسئوليـة الأغلبية تجـاه الأقليــة، وواجب الأغلبية في أن تبادر إلى بعث الطمأنينة وإرســاء أسس المودة والتراحم في علاقتها بالأقليــة.
2) أننا نسجل تحفظــًا على صياغة العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس "التسامح" الذي يدعو إليه كثير من الخيِّرين ودعاة إصلاح ذات البين، فحقوق الإنسان في الإسلام مقرَّرة من الله سبحانه وتعالى، مما يجعلها مستمدة من العقيدة، وليس من مسائل الاجتهـاد والنظر.
3) أننــا نسلّم بأن العقل الإسلامي المعاصر مارس تقصيرًا مضاعفـًا في حق غير المسلمين، إذ أسقطهم من الحســاب أكثر المشتغلين بالسياسة والدعــوة في زماننــا.
4) أننـا نقر بأن تراثنــا الفقهي يتضمن بعض الاجتهادات المسيئة إلى كرامة غير المسلمين، تأثرت بظروف خاصة للغاية (الحروب الصليبية) وهي بذلك تحتاج إلى مراجعة واستبعــاد.
وفي المقابل يدرس هويدي أوراق الطرف المسيحي ليرصد مؤشراتٍ على ظهور ما يسمى بـــ"الصحوة المسيحية" (على غرار ما أسميناه من تنامي الظاهرة الإسلامية بـــ"الصحوة الإسلامية") والتي تمثلت في ظهور تيارات أربع:
1) تيــار يدعو إلى تنشيط دور الكنيسة في المجالين الروحي والاعتقادي (الأب متى المسكين في كتابه "مقالات بين السياسة والدين").
2) تيــار يتجاوز تلك الحدود، ويدعو إلى تفاعل الكنيسة مع الواقع الزمني، منطلقـًا من استثمار التلاحم القائم عبر التاريخ بين المسلمين والمسيحيين لبنــاء حاضر ومستقبل الوطن (برهان غليون "المسألة الطائفية ومسألة الأقليات"، د. وليم قلادة "المسيحية والإسلام على أرض مصر"، "الشعب الواحد، والوطن الواحد").
3) تيــار ثالث يتحرك من منطلق طائفي، ويطرح ذاته من خلال القول باضطهاد المسيحيين في مصر، ومطالب الطائفة، ويركز على نصيب الأقبــاط من الوظائف العامــة، وتمثيلهم في المجالس النيابية (د. ميلاد حنــا "نعم أقبــاط، ولكن مصريون").
4) تيــار رابع يدعو إلى الالتحاق بالغرب، باعتباره "حامي الحضــارة المسيحية"، وهو يتحرك أيضــًا من ذات المنطلق الطائفي (أقبــاط المهجــر في أمريكـا، وأستراليـا، وكنــدا)
وكمـا حدث على الجانب الإسلامي من تلك "اللوثــة الفكريــة" في الساحة الإسلامية، فالسؤال الآن: ما هي أسباب ذلك الخلل في خريطة الواقع؟ وللإجابة على السؤال يستعرض هويدي بعض الملاحظات التي تثيرهـا محاولة قراءة أوراق الطرف المسيحي؛ أحدهم يتعلق بحدود مسرح الأداء القبطي، وهل هو الوطن أم الطائفة؟ والذي يخلُص فيه هويدي إلى أنه لمــا كان انسحاب الأقبــاط تدريجيـًا حتى بات الحضور مقصورًا على القيادة الكهنوتية أو رجـال الأكليروس، كانت المشاركة العامـة للأقبــاط من خلال الكنيسة، مما أفرز تكريســًا للعمل الطائفي دون العمل السياسي. سبب آخر يتعلق بأسلوب الخطاب القبطي، وأيهمــا أجدى له وللوطن: أن يُوجَّه من منطلق المطالب العادلة للطائفة، أم من منطلق تعزيز الأواصر وتعميق الثقة والمشاركة من خلال عمل سياسي ونقابي يتبنى جهود التصحيح، ويستجيب لمتطلبات العــدل والقسط والبــر، بما يعني الدعوة إلى استقامة قوام الأمة، وليس الاستجابة لضغوط الطائفــة.
وينتهي بنـا هويدي في الفصل التاسع إلى تلك الخطوات واجبة الدراية والتنفيذ للعمل على "البنــاء لا الهـدم"، فيدعونـا إلى عدم التعامل مع مسألة الطائفية بمنطق الانشغــال المؤقت؛ من عدم الاكتراث أو الصمت التــام، إلى الإفراط في الحمــاس والمبالغــة في الكلام، ويشدد على أن "نزع فتيل التوتر في الشارع المصري – الإسلامي والمسيحي – هو المهمــة رقم واحد، التي ينبغي أن تتصدى لهـا – أولاً – كافــة مؤسسات وأجهزة صناعة القرار السياسي" (رغم خشيته بأن تتعثر تلك المهمــة بسبب التشويش الإعلامي الذي تمارسه بعض المنابــر، والذين شُغــل بعضهم بتصفية حساباتهم بأكثر من انشغالهم بالقضية الملحـة الماثلــة). ولا يلبث أن يستعرض نماذج لعلماء دين مسلمين ومسيحيين قد أخذوا على عاتقهم مسئولية التحرك لإطفـاء نار الفتنة، كموقف كل من الشيخ عبد المجيد اللبـان، شيخ علمـاء الإسكندرية آنذاك، وبطريرك الأقبــاط الأرثوذكس الأنبــا يؤنس من حادثة الإسكندرية عــام 1930، وكذلك مبادرة الأديب محمد حسن عبد الله بضرورة تنقية كتب التراث مما يشوبها من إشارات ومواقف تسيء إلى مشاعر غير المسلمين وتحط من قدرهم.
يأتي الباب الرابع والأخير ليصارحنــا فهمي هويدي فيه ببعض الأزمات والمشكلات التي تمر بهـا مصر حاليـًا .. يحدثنـا في الفصل الأول عن "الرهــان المعلق" بمشاركة الإسلاميين في انتخابات مجلس الشعب المصري، وكيف أن مختلف عواصم العالم المعنية بالشرق الأوسط أو بالظاهرة الإسلامية عمومـًا ترصد وترقب ما يحدث في القاهرة إزاء مشاركة الحركة الإسلامية بهذه الكثافــة في الحيــاة النيابيــة، ويرى هويدي أن مثل تلك الخطوة تمثل نقلة نوعية هامة في أدوار القوى المختلفة على المسرح السياسي المصري، كما يمثل اختبارًا تاريخيـًا بالغ الأهمية للحركة الإسلامية لمصر، يستبشر بهـا خيرًا رغم ما يراوده من مخاوف يلفت نظرنـا إليهــا ألا وهي:
1) أن الإسلاميين ليســوا فقط أولئك الذين يمثلون جماعة الإخوان، ولكنهم كل من شُغل بالهم الإسلامي العام، وعمـل لأجله، وبهذا فإن دائرة الإسلاميين تتجاوز بكثير إطـار الجماعــة، وكذلك دائرة التحالف مع حزبي العمــل والأحــرار.
2) إن الإسلاميين بمختلف طبقاتهم ودرجاتهم لا يحتكرون الإسلام لحسابهم، كما أنهم ليســوا حجة على الإسلام بأي معيــار، فخطاب الإسلام موجه للناس كافــة، وباب العمل لأجله مفتوح بالتالي لكل الناس كافــة، بغير وصاية أو قوامة من أحد على أحد.
3) إن الإسلاميين الداخلين إلى مجلس الشعب بشــر، يختلفون في الفهم والمدارك، كما قد يختلفون في الطموحات والمصالح، ورغم أن الجميع يلتحفون بعبـاءة الإسلام، إلا أن ثمة تمايزًا في قسماتهم، ليس فقط بين الإخوان وخريجي المدارس الأخرى، ولكن بين خريجي مدرسة الإخوان أنفسهم.
4) إن هؤلاء الإسلاميين حديثو عهدٍ بممارسة العمل السياسي من خلال المؤسسات الدستورية الشرعية لأسباب معروفة، لذلك فقد لا تتوقع منهم إجادة كافية لقواعد اللعبة السياسية أو البرلمانية.
وعن أداء الإسلاميين من ممثلي تحالف (الإخوان، العمـل، الأحــرار) لا يستبعد هويدي أن تتراوح مواقفهم وممارساتهم بين محاور أربعــة:
1) خوض معارك الماضي (حساب جماعة الإخوان مع ثورة يوليو)
2) الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.
3) التركيز على مفاسد المجتمع ومباذله.
4) التركيز على مشاكل الوضع الراهن.
ويسجل هويدي رأيه في هذا الموضوع قائلاً بأن سلامة المنطق لا تتوفر إلا إذا دخلنــا إليه من باب الشــــــورى، فهمي تطبيق للإسلام في المجالين السياسي والدستوري. ومن هنـا يدعو هويدي الإسلاميين بترتيب الأولويات (حسن البنــا في كتابه "الدعــوة والداعيــة") فهؤلاء الذين يتصورون أنهم سوف يصلحون الكون دفعةً واحدة من تحت قبة البرلمــان "يملكون من حسن النيــة أكثر ممـا يملكون من الإدراك"، لذا فهو يشدد على ضرورة التدرج، وحتى يتم التدرج فلابد للأولويات أن تكون واضحــة، وحتى تبدو الأولويات واضحة فلابد لهـا الأخرى أن يقوم ترتيبهـا على حسن قراءة الواقع (مستشهدًا بآراء ابن القيم، وابن تيمية).
ثم يقودنـا هويدي إلى نقطة أخرى تتعلق بالممارسات الديمقراطية تحت قبة البرلمـان في الفصل الثاني "جراح انتخابيـة"، فينتقد تلك المعارك الانتخابية التي أصابت أمورًا أربعـة في مقتـل:
1) الوحدة الوطنيــة: فهي في النهج الإسلامي مما لا يُفرط فيه بأي حال (يستدل بقصة سيدنـا موسى – عليه السلام – وموقفه من أخيــه هارون الذي سكت على عبـادة "السامري" للعجل الذي صنعه، ودعوته القوم لعبادة ذلك العجــل) حيث وقعت نسبة غير قليلة من الكتابات المنتَقِدة لموقف الإسلاميين في المحظور، وسعت بقصد أو بغير قصد إلى تلغيم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، إذ خرجت المسـألة عن كونهـا نقد لبرنامج أو لأشخاص واتخذت هذه النقطــة صورة التخويف من الإسلام والتنفيذ من تطبيقه فضلاً عن الحط من شـأن تعاليمــه.
2) الانتمــاء الإسلامي: حيث أنه في سياق نقد الإسلاميين كان المحور الأساسي في المعالجــة يقوم على المنطوق التالي "كل متدين متطرف، وكل متطرف سفاح، وكل سفاح يجب أن يلفظه المجتمع" الأمر الذي يعتبره هويدي جرأة لا توصف، وبناءً عليه طولبت الأجهزة الأمنية للدولة بأداء واجبهـا التاريخي لتطهير الوطن من حفنة المتدينين الذين يهددون الاستقرار ويخوفون الســادة المستثمرين.
3) النظــام الإسلامي: فكمـا حدث في مسألة الانتماء الإسلامي، فإن الحوار تجاوِزُه حدود الصراع بين فرقاء يتنافسون في المعركة الانتخابية إلى توجيه مهــام النقد والتجريح للنظــام الإسلامي، فسمعنـا عن الحكم الإلهي، والخليفة المعصــوم، وظل الله في الأرض، وتكفير المعارضين وإهدار دمهم، وسيف الجلاد المُشهر في كل مكان. ويعلق هويدي على ذلك قائلاً بأنه "قد بُح صوت المسلمين وهم يقولون بأن ثمة تفرقــةٍ بين المصدر الإلهي للشريعة، والسند القانوني للنظام السياسي، وكونهـــا شريعة إلهيــة لا يعني بالضرورة أن الحكومة الإسلامية حكومة إلهية، ولكنها حكومة بشريــة، يملك أصغر الناس شأنــًا – بمقتضى الأوامر القرآنيــة – أن يتوجه أعلى الناس مقامـًا فيها، آمرًا بالمعروف وناهيـًا عن المنكر، والحاكم ليس إلا "أجيــرًا" بمقتضى عقد، للأمة أن تفسخه إذا أخل به، والسمع والطاعة له مرهونان بمدى التزامه بكتاب الله وسنة رسوله".
4) الدستـــــــور: حيث حاول البعض أن يسمم موقف الإسلاميين فيه بدعـوى أنهم يتبنون الدعـوة إلى إسقاطه لأنه دستور غير إسلامي (رد الدكتور عمــارة على تلك الفرية في مقاله "بل معركة تطبيق الدستور"، وحسن البنــا في رسالته "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي").
نقطة أخرى يراها هويدي جديرة بالمناقشة والمراجعـة وهي وضع الإسلاميين على مسرح العمـل العـام في مصر، السياسي وغيره، حيث يقول أن الدين مكوِّن أساسي في هذا المجتمع، لا يمكن تجاهله أو إنكاره، ولم يعد مقبولاً بحكم العقل أو بحساب المصلحة الوطنية الخالصة أن يبقى التيـار الإسلامي منفيــًا من الواقع، ومحذوفـًا من الشرعية، وساقطـًا من خريطة القوى السياسية خصوصًا وأنه قد أضحى ظاهرةً متنامية على مستوى العالم ككل، موضحـًا أنهم دخلوا ساحة الانتخاب من باب اللاشرعية القانونية، والتي هي مفروضة، لا طوعية، والمنطق الرشيد يدعونا إلى ضرورة إفساح هذا المجـال لهذا التيــار ليجد مكانه في ظل القانون والشرعية، وهؤلاء الكتاب "الديمقراطيين" الذين يرددون القول بأن شرعية العمل الإسلامي يفتح الباب للصراع الطائفي، إنما قولهم تهافت وافتعـال، وعلى ذلك يدعو هويدي لأن يتوفر لدراسة الموقف فريق عملٍ مسئول (سياسي وأمني) يتولى تقليب الأمر من مختلف جوانبه: "إننا لا نريد أن ننتقد جمود الفكر الديني من ناحية، ونمارس جمودًا سياسيـًا من ناحية ثانيــة".
في الفصل الثالث يحدثنـا هويدي عن نوع مستجد من الإرهـاب، يتمثل في "التعريض والتخويف والتحريض"، ويتساءل عما إذا كان هناك أمل في نجاح تجربة مشاركة الإسلاميين في مجلس الشعب المصري أم لا .. وهو يعزي ذلك إلى أمرين: أداء الإسلاميين أنفسهم، والتناول الإعلامي لذلك الحدث الهام في ساحة العمل السياسي المصري .. وعن هذا الأخير – يقول هويدي – فقد افتقد – كقاعدة – إلى الحد الأدنى من الموضوعية والإنصـاف، وفي إطار ذلك التناول غير الصحي، فإن نسبة قليلة من تلك المعالجات قد تجاوزت الإنصاف إلى حد تخويف عامة الناس وإثارة نفورهم وقلقهم. وبقدر ما حدث ذلك أثناء المعركة، إلا أنها استمرت بعد انتهاء المعركة، الأمر الذي يوحي بأن المسألة لا تقتصر فقط على المعارك الانتخابية، وإنمـا الصراع الحقيقي هو ضد التيار الإسلامي في مجمله، سواء في الشارع أو تحت قبة البرلمان ("جماعة الجهــاد" وإدانتها لمبدأ المشاركة في "اللعبــة البرلمانيــة" مما يُعد تكريســًا للواقع الجاهلي، واجتماع معسكر التطرف الإسلامي والمربع العلماني في مجمله – المعتدل منه والمتطرف – على ضرورة تعطيل مسيرة التيـار الوسطي المعتدل، وحجبه عن الظهور بأي وسيلة).
ومن هنــا يورد هويدي أمورًا ثلاثة جديرة بالمناقشة:
1) علاقة التطور الذي شهدته مصر (نتيجة الانتخابات) بالاستقرار: حيث يؤكد هويدي أن مسألة الاستقرار في المجتمع من الأمور التي لا تحتمل الهزل والعبث، وضرب مثلاً بفقه أهل السنة الذي أُخذ عليه أحيانـًا أنه بالغ في الدعوة إلى الاستقرار وتجنب الفتنة (خصوصًا بعد الفتنة الكبرى بمقتل عثمان بن عفان وحدث الشرخ في الواقع الإسلامي بعد معركة "صفين") وهو هنا يشدد على الكيفية التي يتم بها هذا الاستقرار، ويقول بأن الحزم والحكمة مطلوبان لعلاج تلك النقطة: الحزم من جانب السلطة التي ينبغي ألا تتهاون مع أي طرف يخل باستقرار الوطن، والحكمة من جانب القوى السياسية والسلطة، فالأولون مطالبون بأداءٍ يسهم في الاستقرار، أما أجهزة السلطة فمطالبة بتجنب الصدام مع القوى السياسية.
2) القول بمتاجرة الإسلاميين بالدين للوصل إلى السلطة: ويرد هويدي بأن العمل بالدين أو به ليس كله تجارة، كما أن استهداف الوصول إلى السلطة ليس مما يشين تيارًا سياسيـًا أو يدينه في أي نظام ديمقراطي حول العالم، وعليه فلا غضاضة أبدًا في أن يطمح الإسلاميون أو غيرهم في الوصول إلى السلطة، بشرط أن يتم ذلك بالوسائل المشروعة وعبر القنوات الشرعية، وليس بالتآمر والانقلاب على الواقع.
3) لافتــة الحل الإسلامي: وقد تعرضت لظلم غير مبرر له، ما بين اعتقادٍ بأنها "تغييبــًا" و "خدعــة"، وبين دعوة للدولة الدينية، وإثارة للفتنة الطائفية، وعليه فإنه يعقب هويدي بأنه ليس مطلوبـًا من الشعــار أكثر من أن يكون بمثابة سهمٍ يشير إلى الاتجــاه.
ومع الفصل الرابــع إذ ينبهنـا هويدي إلى ما هو "أســوأ من الإرهــاب"؛ ألا نعرف كيف نتعامل معه بالكفاءة المطلوبة؛ فعلاج الأزمة وتوقي شرور العنف لا يكون فقط بمجرد إحباط الفعل والقبض على الفاعلين، وإنمــا يُقاس إنجازه الحقيقي بمعيار ترشيده لرد الفعــل من ناحية، وبمقدار شجاعة التصدي لجذور العنف ومنابعه من ناحية ثانية، ومثل تلك المهام "لا يقدر عليها إلا أولو العزم من أهل القرار والسلطان، الذين يملكون القدر الكافي من وضوح الرؤية والإخلاص للهدف، وجرأة المواجهة، والارتفاع فوق الجراح والنزوات والأهواء". ثم يستعرض أمثلة لمحاولات اغتيال كل صاحب قلم ورأي (مكرم محمد أحمد رئيس تحرير جريدة المصور) وردود الأفعــال إزاء ذلك والتنديد به (إبراهيم سعدة، رئيس تحرير أخبار اليوم).
ويعقب هويدي بأنه ليس من مسئولية الكلمة أن تروع الناس وتصور لهم أن مصر على أبواب الجحيم، ولا أن تُتهم كل الأحزاب "بمجاملة قوى الإرهاب"، ولا أن يُهاجم التدين ويُلمز المتدينون في سياق نقد العنف والتطرف، ولا أن يفتي أحدهم بأنه إذا كانوا يعلنون كفرهم بالوطن، فمن حق الوطن أن يكفر بهم؛ وإنمـا الكلمة المسئولة التي يراها هي الكلمة الهادية والمبصرة والكاشفة، وهي أشد ما نحتاج إليه في هذه المرحلة من جانب أهل الرأي. وهو هنا يستشهد بما كتبه الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي بـــ"الأهرام" آنذاك حيث أفتى للخلاص من الإرهاب وحماية الحرية لا تكون إلا بمزيد من الحرية، وكذلك رأي الدكتور محمد نور فرحات بـــ"المصور" الذي اعتبر أن الخوض في أمر الفاعل في محاولتي الاغتيال من شـأن "الشرطي الخاص"، وعليه يقترح هويدي بضرورة الانشغـال بالقضية الواجب البحث فيها ألا وهي "ظاهرة تنامي العنف في المجتمع المصري"، مؤكدًا في نهاية الأمــر "أن التصدي الجــاد للعنف لا يكون إلا بملاحقة أسبابه في مكامنها ومحاضنها، وهؤلاء الذين يتصورون أن القضــاء على العنف يكون بالإجراءات الاستثنائية وباستئصال شأفة فريق أو جماعة من الناس، هؤلاء ليســوا إلا دعــاة شــر وقرناء ســوء، يريدون لمسلسل العنف أن يتوالى ويتصل".
قضيتان مهمتــان يثيرهمـا هويدي في الفصل الخامس في حديثه عن الإسلاميين وما يتعرضون له من اتهامات وتجرؤات بوصفهم بأصل الداء والبلاء والرزايا والعبر: "نفي الإسلاميين من الواقع"، و"نفي الإسلام من الواقع". أما الأولى فيعقب هويدي بأنه إذا كان الإسلاميون قد أخطئوا في التعبير عن أنفسهم، أو أن السلطة قد أخطأت في النهج والتقدير، فالحاصل أن الطرفين لم ينجحا في التوصل إلى صيغة تكفل الحل السلمي أو التعايش بينهما، وبالتالي كانت تُرجَّح كفة النفي من الواقع الذي اتخذ صورًا عديدة؛ من الخمسينيات حيث كان ميسورًا ضرب الحركة الإسلامية وتطويقها نسبيـًا (والتي تسببت في نسبة غير قليلة من التشوهات الفكرية السائدة) إلى السبعينيات حيث تنامى الجسم الإسلامي بصورة مطردة، وتجاوز حدود الحركة الواحدة، وصار الهاجس الإسلامي يلح على قطاعات عريضة من البشــر .. وبذلك يخلُص هويدي إلى أن فكــرة "نفي الإسلاميين" مستحيلة تمامـًا.
أما عن "نفي الإسلام من الواقع" فيشرح لنـا هويدي (مستعينًا بما كتبه الدكتور فهمي جدعان، أستاذ الفلسفة بجامعة اليرموك الأردنية، في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام") كيف بدأت الفكرة بعدمـا طلعت علينـا طلائع بعثات الدارسين العرب إلى أوروبا في القرن الثامن عشـر، وعادت مشدودة "بنظامات الإفرنج"، وعلى إثرهـا ظهر في مصر حينذاك التيار الداعي إلى نفي الإسلام من الواقع (محمد حسين هيكل، طه حسين، محمود عزمي) وكان موقف الشيخ رشيد رضــا من ذلك أن اعتدهـا دعــوة إلى "محو السلطة الإسلامية من لوح الوجود". وعن تساؤله بإمكانية ذلك، يرد هويدي بأنه ربمــا نجحت محاولات النفي الجزئي للإسلام، عن طريق تعطيل تطبيق الشريعة الإسلامية في عدد من الدول العربية، إلا أن الدين ظل باقيــًا وحاكمـًا لسلوك وعلاقات الأغلبية الساحقة من المسلمين. ويخلُص هويدي إلى أنه إذا نحينا البعد العقيدي في الموضوع، فثمة خطــأٍ فادح بأبسط قواعد التعامل مع الواقع، فالعنصر الديني له دور في تحريك جموع البشر وتفجير طاقاتهم المخزونة والمعطلة، واستنهاض هممهم لمواجهة أعتى التحديات، الأمر الذي بدوره يولّد نهضة اقتصادية التي بدورها تمنحنـا اكتفاءً ذاتيـًـا، فلا نعيش عالةً على غيرنا في خبزنا وكسائنا وسلاحنا. واعتبر هويدي أن نفي العنصر الديني لا يجرح دين الداعين إليه فقط، وإنما يجرح وطنيتهم كذلك؛ لأنهم بدعوتهم تلك يحولون دون استثمار هذا الكنز العظيم الذي هيأه الله للناس، فضيعوه وضيعوا أنفسهم.
سؤال يطرح نفسه هنــا، حيث أن نفي الإسلام غير وارد، وكذا نفي الإسلاميين غير ممكن، فما هو إذن ذلك الجهد المبذول لأجل تشكيل وعي إسلامي رشيد يحصن أبناءنــا وشبابنـا ضد الجنوح والتطرف والعنف؟ ويجيب هويدي آسفــًا بأن ذلك الوعي الإسلامي الرشيد ليس مُدرجـًا في قائمة أولويات الدوائر المسئولة عن التوجيه والتربية وإعداد البشــر، وعليه يطالب المعنيين بالأمــر بالتــزام "الوضــــــــوح" بحيث لا تكون المؤسسات الدينية في وادٍ، والمؤسسات التربوية والثقافية في وادٍ آخر، بينمـا تتحرك المؤسسات التعليمية في وادٍ ثالث!!
عن الأقبــاط ومشاكل الأقبــاط في مصر، يفتتح هويدي الفصل السادس بـــ"مواطنــو الدرجــة الثانيــة" مشيرًا إلى تلك العلاقة المتوترة بين الأقبــاط والمسلمين، والتي بدأت بتعرض بعض الإسلاميين للمسيحيين ومعتقداتهم بسوء القول والعمل، وهي – كما يقر هويدي – مشكلة تفتح الباب لمفاسد ثلاث على الأقل، كل منهـا أســوأ من الأخرى، إذ أنها تهدم علاقة البر والقسط التي دعــا القرآن إلى إقامتها مع غير المسلمين، وهي تنسف وحدة الوطن وتمزق شمله، وهي تجرح وجه الإسلام ذاته، وتشوه مشروعه الحضاري. واستدلالاً برأي بعض المسيحيين الظانين بأن النظام الإسلامي لا يتيح لهــم مكانًا أو فرصة للتقدم الوظيفي، يرى هويدي أننا بصدد ظاهرة من شقين:
1) موقف خاطئ لبعض الدعـاة الإسلاميين.
2) معلومات خاطئة لدى بعض الأقبــاط وبعض المثقفين المسلمين.
ويذكرنــا مرة أخرى بقصة سيدنـا موسى عليه السلام حينما ترك بني إسرائيل في عهدة أخيه هارون لبعض الوقت، بعد أن دعاهم إلى عبادة الله وحده واستجابوا له، لكن أحدهم – يدعى السامري – قد زاغت عقيدته فصنع عجلاً ذهبيـًا للتعبد، وتبعه آخرون، وهو ما سكت عنه هارون خشية أن يقول موسى أنه فرق بين بني إسرائيل، إذ يرى هويدي أننا هنـا بصدد تغليب مصلحة على مفسدة، وهي ذات القاعدة التي قدرها الأصوليون عندما أثبتوا أن الشريعة مبنيةً على جلب المصالح ودرء المفاسد.
وفي محاولة منه لقراءة الأوضاع ونسف تلك الفكرة الخاطئة عن الإسلام، ينبــه هويدي أولاً إلى ضرورة انتبــاه الجميع بأن هناك إطارًا مرجعيـًا لكل ما يُنسب إلى الإسلام، يتمثل أولاً في نصوص القرآن وروحه ومقاصده، وثانيـًا في الصحيح الثابت من السنة، وكل ما عدا ذلك فهو اجتهاد بشر، يحاكم بالقرآن والسنة. ما من نص قرآني أو حديث نبوي لا يحث على تكريم الإنسان وحفظ كرامته بصرف النظر عن اعتبــاره أو جنسـه أو لونه، فضلاً عن أن اختلاف الناس في الدين واقعٌ بمشيئة الله تعالى، الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيــار فيما يفعل ويدع: "فمن شاء فليؤمن، ومن شـاء فليكفر" (ما قاله د. يوسف القرضاوي في كتابه "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي") وبنــاءً عليــه يقول هويدي بأن الانتقـاد من عقائد المسيحيين ينال من كرامة إخوة لنــا في الوطن، وهذه خطيئة أولى، وهم بذلك يقفون موقف من يرد في مشيئة الله تعالى في اختلاف الناس، وتلك خطيئة ثانيــة، وهؤلاء من يمارسون سلطانًا على الآخرين لم يمارسه النبي – صلى الله عليه وسلم – (باعتباره مبلغٌ فقط عن الله سبحانه وتعالى، بينما الاستجابة، أو الاعتراض أو الرفض فهذا من شــأن الله واختصاصه وحده) يُعد خطيئة ثالثــة. وعليــه أيضــًا يقــر هويدي بأن مسألة المواطنة من الدرجة الثانية، التي تصنف غير المسلمين في متربة أدنى من المسلمين في الحقوق المدنية والإنسانية، إنمـا هي محض افتــراء على الإسلام لم تقــره نصوص القرآن ولا السنة الشريفة، إذ جعل الله عز وجل مقياس التفاضل بين البشــر هو التقــوى، وهو هنــا يستدل بآراء كبار علمـاء الإسلام: إذ يقول د. محمد سليم العــوا في كتابه "النظام السياسي للدولة الإسلامية" بأنها من مبادئ الإسلام وقواعده الكلية، التي تُفهم على أساسهـا وتُستنبط منها الأحكــام الجزئية في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، في حين أقــر د. القرضاوي بأنه: "لأهل الذمــة الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلُبت عليه الصبغة الدينية"، وتحدث الماوردي قبل ألف عام في كتابه "الأحكام السلطانية" عن جواز تعيين وزراء غير مسلمين في الحكومة الإسلامية.
ثمــة أمر خطير يقلقل صعيد مصر ينبهنـا إليه هويدي في الفصل السابع، ألا وهو "الطائفيـــة"، ويستغرب من وقوف رموز الأطراف مباشرة موقف المتفرج مما يجري، كذلك ترك السلطة وحدهــا في الساحة فتتحول القضية إلى مسألة أمنية منوطة بالشرطة والدرك، وليست قضيةً سياسية تؤرق الضمير الوطني، وتحتل مقدمة الهم العــام ومحاولة التصدي لهــا وعلاجهــا. ويتساءل هويدي عن سر ذلك الخوف والاستحياء من وجود هذه الأمراض بيننـا، في حين أنه لا يخلو أي مجتمع بشري على وجه الخليقة منهـا (العنصرية في الولايات المتحدة، الطائفية في آيرلندا بين الكاثوليك والبروتستانت). كما يتساءل لماذا لا يتم طرح المشكلة بكل الوقائع الصحيحة وبحجمها الحقيقي، ثم اُعتبر حلها مسئولية الجميع، ودُعي كل طرف لأن يتحمل مسئوليته إزاءهــا بدلاً من لغة الخطـاب تلك التي تراوحت بين التهويل والتهوين؛ من تسرع بالحكم وإلقـاء اللوم على "المتعصبين الإسلاميين" دون متعصبين آخرين من الطرف الآخر، وبين من وجدها فرصة لتصفية الحسابات وفتح النار على المؤسسات الاقتصادية الإسلامية؟
وعليه يقول هويدي بأن القراءة الرشيدة للموضوع كامنة في ملف العلاقات الإسلامية والمسيحية، فسِفر الطائفية في الملف الكبير يقول صراحةً: إن باب الفتنة ينفتح على مصراعيه في حالتين: اختراق الصف، أو تراجعه وانحســاره (مستدلاً على ذلك بما حدث في منتصف القرن الرابع الهجري، إذ بدأ التعصب بين المسلمين والنصارى بصورة مهدِّدة للأمن، تعصب "الحنابلة" وكثرة مهاجمتهم لغير أهل مذهبهم من المسلمين فضلاً عن النصارى، محاولات الصليبيون والتتار اختراق صفوف الأرمن والسريان واليعاقبة والنساطرة، ظهور قضية "المِلل" أو الأقليات في مرحلة تحلل الدولة العثمانية في القرنين (18، 19)، الحملة الفرنسية على مصر، الاحتلال الإنجليزي لمصر). ولا ينسى هويدي أن يذكرنــا بالفترة التي بلغت فيها الفتنة ذروتها، بين عامي 1908 و 1911، والتي دفعت بعقلاء الأمة المسلمين والمسيحيين على حد ســواء لرأب الصدع، والحث على لم الشمــل وجمع الكلمة (ويصا واصف، د. وليم قلادة "المسيحية والإسلام على أرض مصر"، د. محمد حسين، طارق البشري "المسلمون والأقباط في إطـار الجماعة الوطنية") وفي عام 1911 تمثل العقل القبطي في توفيق دوس، وسينوت حنـا، ومرقص حنــا، في حين تمثل العقل الإسلامي في أحمد لطفي السيد، وأحمد عبد اللطيف، وعبد العزيز فهمي.
ثم يقدم لنــا هويدي "هوامش على أوراق قبطية" في الفصل الثامن، فيقول إن تتبع مؤشرات العنف والطائفية لا تقتصر على الطرف الإسلامي فحسب، ولكن تمد لتشمل بعض الأوراق المهمة للطرف المسيحي أيضــًا، ولمباشرة تلك القراءة ثمة أمورٍ أربعـة نضعها في الحسبان:
1) الإقرار التــام بمسئوليـة الأغلبية تجـاه الأقليــة، وواجب الأغلبية في أن تبادر إلى بعث الطمأنينة وإرســاء أسس المودة والتراحم في علاقتها بالأقليــة.
2) أننا نسجل تحفظــًا على صياغة العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس "التسامح" الذي يدعو إليه كثير من الخيِّرين ودعاة إصلاح ذات البين، فحقوق الإنسان في الإسلام مقرَّرة من الله سبحانه وتعالى، مما يجعلها مستمدة من العقيدة، وليس من مسائل الاجتهـاد والنظر.
3) أننــا نسلّم بأن العقل الإسلامي المعاصر مارس تقصيرًا مضاعفـًا في حق غير المسلمين، إذ أسقطهم من الحســاب أكثر المشتغلين بالسياسة والدعــوة في زماننــا.
4) أننـا نقر بأن تراثنــا الفقهي يتضمن بعض الاجتهادات المسيئة إلى كرامة غير المسلمين، تأثرت بظروف خاصة للغاية (الحروب الصليبية) وهي بذلك تحتاج إلى مراجعة واستبعــاد.
وفي المقابل يدرس هويدي أوراق الطرف المسيحي ليرصد مؤشراتٍ على ظهور ما يسمى بـــ"الصحوة المسيحية" (على غرار ما أسميناه من تنامي الظاهرة الإسلامية بـــ"الصحوة الإسلامية") والتي تمثلت في ظهور تيارات أربع:
1) تيــار يدعو إلى تنشيط دور الكنيسة في المجالين الروحي والاعتقادي (الأب متى المسكين في كتابه "مقالات بين السياسة والدين").
2) تيــار يتجاوز تلك الحدود، ويدعو إلى تفاعل الكنيسة مع الواقع الزمني، منطلقـًا من استثمار التلاحم القائم عبر التاريخ بين المسلمين والمسيحيين لبنــاء حاضر ومستقبل الوطن (برهان غليون "المسألة الطائفية ومسألة الأقليات"، د. وليم قلادة "المسيحية والإسلام على أرض مصر"، "الشعب الواحد، والوطن الواحد").
3) تيــار ثالث يتحرك من منطلق طائفي، ويطرح ذاته من خلال القول باضطهاد المسيحيين في مصر، ومطالب الطائفة، ويركز على نصيب الأقبــاط من الوظائف العامــة، وتمثيلهم في المجالس النيابية (د. ميلاد حنــا "نعم أقبــاط، ولكن مصريون").
4) تيــار رابع يدعو إلى الالتحاق بالغرب، باعتباره "حامي الحضــارة المسيحية"، وهو يتحرك أيضــًا من ذات المنطلق الطائفي (أقبــاط المهجــر في أمريكـا، وأستراليـا، وكنــدا)
وكمـا حدث على الجانب الإسلامي من تلك "اللوثــة الفكريــة" في الساحة الإسلامية، فالسؤال الآن: ما هي أسباب ذلك الخلل في خريطة الواقع؟ وللإجابة على السؤال يستعرض هويدي بعض الملاحظات التي تثيرهـا محاولة قراءة أوراق الطرف المسيحي؛ أحدهم يتعلق بحدود مسرح الأداء القبطي، وهل هو الوطن أم الطائفة؟ والذي يخلُص فيه هويدي إلى أنه لمــا كان انسحاب الأقبــاط تدريجيـًا حتى بات الحضور مقصورًا على القيادة الكهنوتية أو رجـال الأكليروس، كانت المشاركة العامـة للأقبــاط من خلال الكنيسة، مما أفرز تكريســًا للعمل الطائفي دون العمل السياسي. سبب آخر يتعلق بأسلوب الخطاب القبطي، وأيهمــا أجدى له وللوطن: أن يُوجَّه من منطلق المطالب العادلة للطائفة، أم من منطلق تعزيز الأواصر وتعميق الثقة والمشاركة من خلال عمل سياسي ونقابي يتبنى جهود التصحيح، ويستجيب لمتطلبات العــدل والقسط والبــر، بما يعني الدعوة إلى استقامة قوام الأمة، وليس الاستجابة لضغوط الطائفــة.
وينتهي بنـا هويدي في الفصل التاسع إلى تلك الخطوات واجبة الدراية والتنفيذ للعمل على "البنــاء لا الهـدم"، فيدعونـا إلى عدم التعامل مع مسألة الطائفية بمنطق الانشغــال المؤقت؛ من عدم الاكتراث أو الصمت التــام، إلى الإفراط في الحمــاس والمبالغــة في الكلام، ويشدد على أن "نزع فتيل التوتر في الشارع المصري – الإسلامي والمسيحي – هو المهمــة رقم واحد، التي ينبغي أن تتصدى لهـا – أولاً – كافــة مؤسسات وأجهزة صناعة القرار السياسي" (رغم خشيته بأن تتعثر تلك المهمــة بسبب التشويش الإعلامي الذي تمارسه بعض المنابــر، والذين شُغــل بعضهم بتصفية حساباتهم بأكثر من انشغالهم بالقضية الملحـة الماثلــة). ولا يلبث أن يستعرض نماذج لعلماء دين مسلمين ومسيحيين قد أخذوا على عاتقهم مسئولية التحرك لإطفـاء نار الفتنة، كموقف كل من الشيخ عبد المجيد اللبـان، شيخ علمـاء الإسكندرية آنذاك، وبطريرك الأقبــاط الأرثوذكس الأنبــا يؤنس من حادثة الإسكندرية عــام 1930، وكذلك مبادرة الأديب محمد حسن عبد الله بضرورة تنقية كتب التراث مما يشوبها من إشارات ومواقف تسيء إلى مشاعر غير المسلمين وتحط من قدرهم.



