THOUSANDS OF FREE BLOGGER TEMPLATES

Search This Blog

November 05, 2010

حتـــى لا تكـــون فتنــــــة .... 2

(2)

في الباب الثاني يلقي فهمي هويدي الضوء على بعض القضايا العصرية وبعض الأبواب المفتوحة التي لهــا صلة بشكل أو بآخر بقراءة الفقــه الإسلامي .. في الفصل الأول "نعــم للمصالح ولكن" يتساءل: هل يجوز تغليب المصلحة على النص إذا ما تعارضـا (هل ممكن نقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في الولايات المتحدة الأمريكية – مثلاً – "رعايــةً للمصلحــة" لانشغــال الجميع بأعمالهم؟) ويرد على ذلك برأي الإمام نجم الدين الطوفي "بالإيجــاب"، الأمر الذي لاقى هجومـًا شاسعـًا من قِبــَل الخلف والسلف، مع التنبيه من جانب هويدي أن مثل تلك الاجتهادات قد تعكس التباســًا شديدًا في فهم قضية المصلحة في الفقه الإسلامي، ويدعونـا لأن نحاول"وضع المصلحة ودورهـا التشريعي في إطارهـا الصحيح بعيدًا عن دعـاة التطرف في التوسعة أو التضييق". ويستغرب هؤلاء المثقفين الذين يحتفون بمثل هذه الآراء ويصدرونهـا نقاطـًا مضيئــة وعلامة من علامات التحرر والتقدم والاستنــارة، ومن أمثلة ذلك هؤلاء المحتفين بفصل الدين عن السياسة استنادًا إلى رأي بعض الفقهـاء (الشيخ عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"). ثم يستطرد هويدي في تفنيد الأسباب التي بهـا خلُص الطوفي إلى فتواه بجواز تغليب المصلحة على الدليل الشرعي إذا ما تعارضـا .. حيث استند الطوفي أساســًا إلى أدلة ثلاثة:
1) ما ورد عن الشارع من نصوص وتعليلات أحكامه الدالة على أنه ما قصد من تشريعه الأحكــام إلا تحقيق مصالح الناس.
2) حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – "لا ضرر ولا ضرار" يقطع بنفي كل ضرر، فإذا دل نص على حكم يستلزم ضررًا، كأن يفوت مصلحة أو يجلب مفسدة، اُستثنيت الواقعة من حكم النص أو قيد النص بحيث لا يســرى عليهـا.
3) إن النصوص والإجمــاع ومختلف الأدلة الشرعية، إنما هي وسائل لتحقيق مصالح الناس.

وعن "اعتبــار المصلحة" يخبرنــا هويدي باستمرارية الجدل حول ما إذا كانت المصلحة هي فقط ما دل عليه الكتاب والسنة والإجمــاع ثم يُضــاف إلى ذلك ما دل عليه العقل أيضــًا، مستشهدًا بآيتين من القرآن الكريم: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتـاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون" و الآية الثانية: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". والحديث النبوي: "لا ضرر ولا ضرار". كمــا يستعرض هويدي موقف الأئمة الشافعي ومالك من "اعتبــار المصلحة" حيث ارتكزت وجهة النظــر الشافعية على أن ما شرعه الله ليس بحاجة إلى ما يكمله، وفي الكتاب والسنة والإجماع ما يكفل مصالح الناس، وهم بذلك – كما يرى هويدي – قد خشـوا من أن ينفتح الباب إلى الذلل وتغليب الهوى.

ويستكمل هويدي حديثه عن رعاية مصالح العبــاد بدعوته "يســـروا ولا تعســـروا" في الفصل الثاني، مؤكدًا أنه ليس في فتح باب المصالح على مصراعيه إهدارًا للنصوص أو تضييعًا لأحكام الشــرع، وإنمــا يشرح أنه "ما من جهدٍ عقلي أو يدوي إلا وله محاذيره ومخاطره، فليس من حسن التقدير أو التدبير أن يُرى ذلك الجهد من زاوية المحاذير وحدهـا لأن ذلك يعني إيقــاف كل جهد وكل نشــاط، وتعطيل كل قدرةٍ على الإضافة والإبداع". وبين متشددين مرتزقة من أهل الاجتهــاد، وأئمة أعلام آخرين أناروا لنــا الطريق وعملوا على استنهاض العقــول، يرى هويدي أنه الأصح استمرار مسيرة الاجتهــاد في ظل الضوابط والشرائط المقدرة، ليصح العقل والدين، وتستقيم حيــاة الناس في غير حرج أو مفسدة، وفي كتب الأصول هنــاك شبه اتفــاق على أمور أربعــة بشأنهــا هي:
1) أن طرح فكرة المصالح ينصرف إلى مجال المعاملات لا العبـادات.
2) أن تكون المصلحة عامــة لا خاصــة.
3) أن تكون المصلحة حقيقية لا وهميـــة.
4) أن تكون المصلحة شرعية لا تتعارض مع نص قطعي في كتاب الله.

ثم يشدد هويدي على ضرورة التثبت من كفاءة التقدير أو الاجتهـاد وجدارته خصوصـًا في تلك الفوضى الفكرية التي نشهدهـا حاليــًا، مستشهدًا بكتابات الشيخ محمد الغزالي بخصوص "العوج الثقــافي" الذي أصــاب أكثر الدعــاة، إذ انشغلوا بالأحاديث وأسانيدهـا ومتونها عن الفقــه الرحب (وهي نفس الملاحظة التي سجلها د. يوسف القرضاوي في كتابه حول الاجتهــاد إذ يشكو من تخصص البعض في دراســة الحديث وحفظه، دون أن يعتنــوا بالقدر الكافي بالدراسـات الفقهية والأصولية، أو بعلل الأحكام ومقاصد الشــارع)، ومن هنــا يخلُص هويدي إلى ضرورة إغلاق باب الاجتهــاد الفردي والاتجــاه إلى الاجتهــاد الجماعي (مجمع البحوث الإسلامية في مصر).

يعدد لنـا هويدي نموذجـًا آخر من العلمـاء الأجلاء الذين خاضوا في تفصيلات قضية المصلحة وهو محمد مصطفى شلبي الذي يلفت نظرنـا إلى دليلين من القرآن والسنة يحسمــان الأمر (("إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتــاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون" و الآية الثانية: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". والحديث النبوي: "لا ضرر ولا ضرار")) ويزيد من الشواهد على تقديم المصلحة بغير حصر في عمل النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحابته وتابعيه، الأمر الذي أدرك أهميته البالغــة بعد ذلك أئمة المسلمين وفقهائهم أمثال الإمـام مالك، وابن القيم، والشاطبي، ورشيد رضــا، وغيرهم. ويشير هويدي هاهنا إلى أن حركات جهود الإحيــاء الديني على مدار التاريخ قد كانت استجابةً فرضهـا الواقع وألح عليهــا: من أبو حنيفة وموقفه من الخوارج، إلى ابن حنبل و لاءاته الشهيرة (لا فتوى بغير دليل، لا تقليد، لا تدوين للفتاوى) عندما لاحت بوادر التفلت والتحلل في الخلافة العباسية، إلى أن ظهر محمد عبد الوهاب عندما تفشت البدع في الجزيرة العربية، إلى جمال الدين الأفغاني ودعوته بالتمرد والثورة إثر انهيـار الخلافة العثمانية وفرض هيمنة الدول العظمى عليها، إلى حسن البنــا داعيـًا إلى الإسلام دين ودولة بعد إلغــاء الخلافة العثمانية، ثم سيد قطب عندما اشتدت الحملة على الإسلاميين معلنــًا جاهلية المجتمع.

ثمة دعــوة أخيرة يرغبهـا هويدي في زمننـا الراهن، حيث الأزمات المتحكمة اقتصاديـًا وسياسيـًا واجتماعيـًا، إلى التيسير والتخفيف في الأحكام الفرعية العملية مع رعاية الضرورات والأعذار والحالات الاستثنائية وكلمات الشيخ يوسف القرضاوي حول "الضرورات العصرية" وإحيــاء "فقه الأزمــة" استجابةً لمتطلبات الظروف الحرجة التي بهـا أمتنــا.

ينتقــل بنـا هويدي في الفصل الثالث إلى الحديث عن "المتشددين" وكيف أن "التشدد يحسنه كل أحد [على حد قول الإمام الجليل سفيان الثوري] ممن ضاقت معارفهم أو ضاقت صدورهم؛ فما أسهل الجنوح إلى المبالغة باسم الحذر والتحوط، وما أسهل المبادرة أخذًا بالشبهات وسدًّا للذرائع". ويرى هويدي أن الفقيه الأصيل هو في ضبط ميزان الاعتـدال في العبــادة والسلوك، والتمييز بنظره الثاقب بين درجات متفاوتة من الشرور وقبول أقل قدر من المفاسد، درءًا لما هو أكبر، وهو يستشهد على اليسر في التفكير الإسلامي بأنه قائم على العديد من التوجيهات القرآنية ("يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر") والنبويــة ("يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفــروا") وكيف نهى الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن التشدد والغلــو (موقفه مع معاذ بن جبــل، وإطالة القراءة في الصلاة) وهو ما صدقه الإمــام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الشهير "الموافقــات" معتبــرًا إيـاه أحد مقاصد وضع الشريعة للتكليف. ولا يلبث هويدي أن يستعرض أراءً لكبــار الفقهـاء في هذا الصدد والتأكيد على أن الإسلام دين يســر لا عســر، أمثـال د. محمد يوسف موسى الذي حدد أسسًا ثلاثة للتشريع الإسلامي في كتابه "الإسلام وحاجة الإنســان إليه" أولهــا عدم الحرج والمشقة، وثانيهـا رعاية مصالح الناس جميعـًا، وثالثهـا تحقيق العــدل بل العدالة الشاملــة. وهنـاك أيضــًا عبد العزيز جاويش في كتابه "الإسلام دين الفطرة والحرية" الذي يحدد فيه 11 أصلاً للإسلام أولهـا الاجتهــاد، وثانيهـا القصد في الأعمال، وإقامــة ما لا يشق على النفــوس من التكاليف، هذا فضلاً عن دعوة د. يوسف القرضاوي في كتابه "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف" شباب الجماعات الإسلامية المعاصرة إلى التخلي عن التشدد والغلو، والتزام جانب الاعتــدال واليسر خصوصًــا مع عامة الناس الذين لا يطيقون ما يطيقه الخواص من أهل الورع والتقوى.

ثمــة أمــرٍ ينبهنـا إليه هويدي وهو أن التيسير المطلوب لا يكون بتطويع الأحكام الشرعية لتكون في خدمة الواقع، ممـا يؤدي إلى الانخــلاع من الشريعــة تدريجيـًا، ولكن ما يُسعى إليــه أمران:
1) الاعتدال في فهم النصوص وتناولها بصورة لا تشق على الناس.
2) الاهتداء بالمصالح المشروعة في استنباط الأحكام الشرعية الجديدة، انطلاقــًا من فهم رحب للنصوص القائمــة والمقاصد المُستهدفة.
وهو هنــا يذكرنـا بالقاعدة الشرعية التي تقـول بأن الأصل في الأشيــاء الإباحة والحل، ما لم يقُم دليل شرعي على التقييد أو المنع، وبذلك يتوجه هويدي بالخطـاب إلى أهل الدعوة والتقوى بالأخص بحسبان أنهم من يقودون جماهير المسلمين أو يرشدون عامتهم، ويستشهد بآراء كل من الشاطبي، وابن القيم، والقرافي عن الفقيه الثقــة وما يمكن أن يواجهه الفقيه الحق من تحديات حتى يحسمهـا، فهو مطالب ليس فقط بالتمكن من الأدلة الشرعية ومعرفة أسرارهــا، ولكنه مطالب أيضــًا بفهم عميق للواقع وملابساته.

ولا يزال الحديث مستمرًا عن التشدد والمتشددين وما أفرزوه من ظواهر غريبة تفشت في مجتمعاتنا يمثلهـا هويدي في "أمراء الصعيد المحدثون" في الفصل الرابع، إذ يحدثنـا عن تلك النشاطات المنسوبة إلى العمل الإسلامي في صعيد مصر، والتي قامت على يد بعض الفصائل والجماعات الإسلامية، احتلت صدارة الصحف والقنوات الإعلامية، ويقودهــا شباب محدثين ينصبون أنفسهم "أمراءً" لجماعة المسلمين، تباشر سلطانًا على الناس باسم حراسة الآداب العامة ووقف المعاصي ودرء المفاسد، ويعملون على تحريك دواعي الفتنة بين الأقبـاط والمسلمين. ويرى هويدي أن مهمة كهذه أكبر من طاقة الفرد، مما يستدعي مشاركة أهل السياسة وأهل العلم فيهــا، دون مشاركة أهل الضبط والربط. ويعزي ظهور تلك الجماعات إلى شقين: الفراغ السياسي (العجز السياسي إن شئت الدقة) والمعالجات الإعلامية التي مورست على صفحات الصحف والمجلات المصرية (المعارضة منها والقومية على حد سواء) التي ساعدت بدورهـا على تفاقم الظاهرة لا الحد منها؛ حيث دارت باتجاهاتها المختلفة – كما يقول هويدي – في فلك التقرير دون السبر والتفكير؛ بما يعني أن المعالجة الإعلامية عنيت بالمحاكمة أكثر من عنايتها بالمناقشة إزاء تلك الوقائع، فضلاً عن تأثر معالجة تلك الأحداث بالحسابات الخاصة لكل طرف، وكذلك سياسة التهويل والتهوين إزاء تلك الأحداث، والذي يجرح بدوره موقف التقرير الذي التزمت بحدوده تلك المعالجات ولم تتجاوزه. ومن هنـا يزعم هويدي أن "التقرير" الذي ظل أسير الوقائع في المعالجات الإعلامية المصرية جاء منقوصـًا من زاويتين: رصد الحاضــر، والسياق التاريخي للأحداث.

وينتهي بنـا هويدي إلى تلك الثغرات التي كشفت عنها التجربة، والتي بدورهـا تحتاج لمناقشة جدية ومسئولة:
1) افتقاد المعالجة الإعلامية للأحداث أغلبهـا إلى الحيـاد والموضوعية الذي أصاب الجميع بالتوتر إضافة إلى تشويه غير مبرر للواقع.
2) غيبة العمل السياسي عن حياة الناس وعن التأثير في مجريات أحداث الشارع.
3) استرداد هيبة الدولة في محافظات الصعيد بإقرار النظـام والضبط والربط والفاعلية الحقيقية في حياة الناس.
4) وضع أجيــال الشباب الذين يبحثون عن دور في المجتمع فلا يواجهون إلا بالصد والإحبـاط واليأس، فيجدون منفذًا في تكليف إلهي يُطوّع وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكــر.

في الفصل الخامس "ليس دفاعـًا عن المنكــر" يستكمل هويدي ذاك النقــاش المتعلق بأمراء الصعيد وفتاواهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعزي ذلك ليس فقط إلى الفراغ السياسي ولكن أيضــًا الفراغ الديني (يقصد به ضعف أو انعدام تأثير رموز الإسلام ومؤسساته ومجالسه، وتأثير البرامج والصفحات الإسلامية على الشباب المتدين، والقصد هنا لهؤلاء المتحمسين لخدمة دينهم والالتزام بتعاليمه، وهم يعتبرهم هويدي تربة خصبة يزج منها التطرف أو الاعتدال بمختلف درجاتهما ومسمياتهما)، حيث فقد الخطاب الإسلامي مصداقيته وفاعليته بين الشباب؛ لأنه يتحدث على موجة واحدة، فمحطات الإرسـال كلها تابعة للدولة، والمتحدثون على مختلف قنواتها ومنابرهـا "موظفــون" في نهاية الأمر، ولمــا كانت العلاقة بين الشعب والحكومة في أساسها معدومة ولا محل للثقة، انعكس ذلك على تلقي تلك الفئات للخطاب الديني. كمــا كان لمنابر الإعلام القومية التي تسهم بأدائهـا المبالغ في انحيــازه لمواقف السلطة دورًا في تعميق الهوة بين الشارع الإسلامي والخطاب الإسلامي (يستدل بذلك على واقعة شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي مع الصحافة القومية التي نقلت عنه كلامـًا غير دقيق بخصوص تأييد حق مسئول الجامعة في منع المنقبات من دخول الكليات حرفته عن قصد وسوء نيــة).

وفي ظل هذا الفراغ الديني، كما يقول هويدي، انتشرت فتاوى الأمراء المحدثين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد أعطوا لأنفسهم الحق في تغيير المنكرات باليد، بعد الوعظ والنصح، ثم الإغلاظ في الكلام، ثم التهديد بالتنفيذ، الذي يعقبه التنفيذ مستشهدين بحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – : "من رأى منكم منـكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه". ويعلق هويدي على ذلك مفندًا آراءه بأقوال فقهـاء الأصـول الذين وضعوا قواعد وضوابط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يتحول من وسيلة للتقويم والإصلاح إلى بابٍ للفوضى والفتنة، قد حددوهـا في ثلاثة أمـور:
1) أن يكون الآمر أو الناهي عالمـًا بالأمـر فيما يأمر وينهي.
2) أن يعلم أو يغلب على ظنه أن أمره أو نهيه مؤثــر.
3) ألا يكون في الأمــر بالمعروف والنهي عن المنكـر مضرة أعظم منه.

وعن مراتب تغيير المنكر يستشهد هويدي بما قاله الشيخ شلتوت في هذا الشــأن في كتابه "من توجيهات الإسلام" ألا وهي:
1) التغيير باليد، وهو أوجب على صاحب السلطان، بما وضعه الله في يده من وسائل التأديب والزجر بما شرع من عقوبات، وبما فُوِّض إليه من تعزيرات.
2) الوعظ الحسن النافذ للقلوب، المؤثر في النفوس، ويكون على يد رجال الدين والتربية والإعلام والنشــر.
3) أما من يعجز عن أن يفعل أو يقول، فلينـأ بنفسه عن المنكر حتى لا تكون عونــًا له (مستدلاً بذلك على مواقفَ لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هؤلاء الناس دائمي النقد والتنكير لمعايب الآخرين دون أدنى اهتمام منهم بتغيير أنفسهم وإلزامها بالمعروف وعزوفهـا عن المنكر).

وعن هؤلاء الشبان المنساقين وراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون وعي أو تفكير، يتساءل هويدي عن إمكانية انغماسهم في الوظائف الاجتماعية والعلمية ومختلف الأنشطة الحياتية الأخرى حيث ذلك أفضل لهم، ولكنه سرعان ما يؤكد صعوبة ذلك؛ فتلك المهــام تحتاج إلى دأب وصمت وصبر، لذلك فالإقبــال عليهـا قليل الجهد والبحث، راجعـًا تلك الظاهرة إلى قضية التربية الإسلامية في مجتمعاتنا مع ظروف أخرى اجتماعية واقتصادية ضاغطة لهـا إسهاماتها في مثل ذلك التطرف.

قضية أخرى يثيرهــا فهمي هويدي في الفصل السادس المُعنْوَن "السنة بين الافتــراء والاجتــراء" ألا وهي "التطرف الفكـري"، وبروز تلك الجماعات التي تنادي بالقرآن الكريم وحده مصدرًا للتشريع وإنكــار السنة، فهو المصدر الأول والأوحد والأكمل للشريعة، يستدلون بالآية الكريمة: "ما فرطنــا في الكتــاب من شيء" (د. أحمد صبحي منصور، إذ يرى أن الأحاديث النبوية منها ما هو مدسوس وموضوع لظروف تاريخية معينة). ويعقب هويدي على تلك الظاهرة قائلاً: "إنه إذا كنا بصدد قضية رأي في أول الأمر، إلا أن الكلام الذي يروج له هؤلاء ليس فيه من الاجتهــاد شيء، لكنة قراءة رديئــة لمقولات ترددت في أزمنة قديمة رُد عليها وحُسم أمرهــا منذ قرون"(الجلال السيوطي في القرن السادس عشر، والبغدادي، وقد تصدى لهم علمــاء المسلمين الأفاضل أمثــال ابن حـزم، والشيخ محمد أبو زهرة؛ ومن المعاصرين، المستشرق اليهودي المجري "جولد تسيهر"، وقد أخذ عنه أحمد أمين في مؤلفه الشهر "فجــر الإســلام"، وكذلك الشيخ محمد أبو ريـة في كتابه "أضواء على السنة المحمدية"، وقد تصدى لهم أيضــًا الشيخ محمد عبد الرازق حمزة، والشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي).

وهنــا ينبه هويدي لأمور عديدة أثارتهــا القضية جديرة بالبحث والنظر تتمثل في:
1) كيفية تعامل أجهزة الأمن مع مثل هذه الموجات الشــاذة.
2) الفوضى العقلية التي نشهدهــا والتي تسمح لكل من هب ودب أن يخوض في أدق الأشياء وأكثرها حساسية باجتراء مدهش.
3) ظاهرة الفراغ الديني التي نعانيهــا.
4) المعايير التي باتت تُمنح بهــا الشهادات العالِميــة في الأزهــر.

"في فقــه المعارضــة" وحرية الرأي والتفكير، يحدثنــا فهمي هويدي في الفصل السابع، لينتقل بنــا من قضية الافتراء على السنة إلى سؤال يطرح نفسه عن ماهية هامش حرية التفكير المتــاح في الواقع الإسلامي، وكُفْــر من أنكـر حجية السنة (من حيث أنها معلوم من الدين بالضرورة) وقد اعتبرهمـا هويدي وجهان لعملة واحدة. ما هو المعلوم من الدين بالضرورة؟ كما يقول الأصوليون فهو كل ما كان من ضرورات الدين وثبُت بدليل قطعي الثبوت والدلالة، وعلى ذلك – يستطرد هويدي – أن من أنكــر السنة في مجموعهــا فهو واقع في محظور الكفــر (كما قال ابن حزم وغيره) أما من جادل في حجية الأحاديث فلا محل لتكفيره لأن الاختلاف أو الإنكــار هنـا ليس مُنصبــًّـا على أصل السنة، ولكن على بعض الأحاديث التي قد لا تكون قطعية الثبوت والدلالة.

ويعدد هويدي أراءً واقتباسـاتٍ بخصوص تلك المسألة وعدم إلقـاء الكفــر بحق الآخرين منها لابن القيم في "مدارج السالكين"، والإمــام الغزالي في كتابه "التفرقــة بين الإيمــان والزندقــة"، والشيخ محمود شلتوت، و د. محمد سليم العــوا في كتابه "أصول النظــام الجنائي الإسلامي". وعن إطــار ممارسة حرية الاعتقــاد الديني يلفت هويدي نظرنــا إلى "أبي الأعلى المودودي" عندمـا اقترح في مطلع الخمسينيات دستورًا إسلاميــًا لباكستــان كان اجتهــاده الذي أجاز لغير المسلمين بأن "يبينوا محاسن أديانهم، وأن ينتقدوا الإسلام في حدود القانون"، وبذلك يخلُص هويدي إلى أنه ينبغي للدولة الإسلامية أن تحتمل كل معارضة فكرية أو سياسية إلا أن يؤدي الأمر إلى إشهــار السلاح في وجه الدولة فيما يسمى حرابة الأرض يهدد الأمن ويروع الناس، ويستدل على ذلك بموقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من الخوارج الذين عارضوه وكفّروه، إذْ كان موقف الإمــام حينذاك هو الإطــار الذي تحرك فيه أكثر الفقهــاء والباحثين في معالجتهم لقضية حرية الرأي والاعتقــاد والمعارضــة في الواقع الإسلامي.

وفي الفصل الثامن يشير فهمي هويدي إلى فريضة غائبة متمثلة في "دور الأغنيــاء" في الاهتمـام بالشــأن العــام من إعانة المحتاج وإغاثة الملهوف، فهم مستغرقين في كل ما هو ذاتي وخاص، وإن سألتهم عن سر تقاعسهم لن يترددوا لحظة في التعلل بعدم الثقة فيما تباشره سلطة الدولة وتدعو إليه، الأمــر الذي ولّد قيمـًا سلبية انعكست بدورهــا على المجتمع وأفراده. يدعو هويدي لأن يتسع الأمــر ليستوعب جهودًا أخرى وإسهامات أخرى خصوصـًا بعد أن باتت الحكومات محملة بأعباء وتراكمات هي أعجز من أن تباشرهــا وحدهـا، ويشرح لنـا في المقابل نماذج رائعــة من الواقع المصري على تلك الجهــود التي التقى فيها أعيــان البلاد ووجهائهـا على مشروعٍ للعمل العــام، والتي فتحت أمام الجميع آفاقـــًا مهمة للمشاركة في صناعة مستقبل مصر منهــا "الجمعية الخيرية الإسلامية" (التي أسسها محمد عبده في عام 1892، وقد ساهمت في إنشــاء المدارس في بعض المدن)، الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن)، الصناعة في المحلة الكبرى.

ثم يحيلنــا هويدي إلى مفهوم وظيفة المــال وحق الناس فيــه في الثقافة الإسلامية، متمثـلاً في نظــام "الوقف" الذي يعرّفه بـــ"عقـار يخرجه المرء من سلطانه ويحبسه لصالح الآخرين وفي خدمتهم مبتغيــًا بذلك وجه الله وخير الناس على إطلاقهم"، وعلى هذا الأساس يقول هويدي: حيث أن المال مال الله، إذن فللناس فيه حق، سواء كان هذا المال مخزونـًا في بيت مال المسلمين (خزانة الدولة) أو مخزونـًا لدى الأغنيــاء، وحيث أن مسئولية الأغنيــاء تعززهـا وتلاحقها نصوص كثيرة وفتاوى حاسمة حازمة، فإذا حلت بمجتمع المسلمين أزمة وخلا بيت المــال أو عجزت الخزانة العامة للدولة عن الوفاء باحتياجات البلاد، فللحاكم إذا كان عادلاً أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيــًا لاجتيــاز الأزمة باتفــاق الفقهــاء.

4 التعليقات:

mUsLiM said...

موضوع قيم وكلام رائع فى الحقيقة فيه فائدة وأدب وأخلاق

وأنا أتفق معه فالمجمل

وإن كنت فى الفترة الأخيرة كلما شاهدت وإستمعت إلى الأساتذة أمثال فهمى هويدي ومحمد سليم العوا يصيبنى إرتفاع فى ضغط الدم من التمييع فى مسائل بديهية لا أدرى كيف يتجاوزونها

فكثيرا ما نسمعهم ينكرون مسألة تكفير النصارى مثلا !!!

أي خزعبلات هذه ...؟!!

لكن على كل حال جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع القيم والأنيق وبارك الله لكى فى ثوابه وجزائه الحسن

والله من وراء القصد

السلام عليكم

The Seagull said...

الله يخليك يا مصعب

الكتاب فعلاً قيم ويتناول قضايا شائكة وعصرية في عالمنا الإسلامي بأسلوب سهل ممتنع .. وهويدي بجد أسلوبه في الكتابة شجعني أقرأ له كتب تانية في هذا الصدد


شكرًا جزيلاً يا مصعب
ونورت البلوج :))

mUsLiM said...

بالفعل الأستاذ الهويدي قيمة كبيرة ولا ننكر ذلك

بس تعرفي المشكلة إنى أحياناً أسمع من الأستاذ الهويدي أو العوا أو غيرهم رأيا وسطاً فى مسألة لا وسط فيها

فالوسطية لا تعنى خطأ وسطاً بين الحق والباطل !!\

لكن يعجبنى ويأسرنى مثلا مفكر إسلامي وأستاذ كبير كالأستاذ/ إبراهيم الخولي

وهو أستاذ فى جامعة الأزهر

وممكن تشوفيله فيديوهات كثيرة على اليوتيوب لو تحبى

بس أهم حاجه مش تخافى منه :)

هههههههه

الله المستعان

وجزاكم الله خيرا على ردك الرائق يا أختى

السلام عليكم

The Seagull said...

هو أكيد طبعـًا معرفتي لن تقتصر على فهمي هويدي وحده إن شاء الله .. هو بس مجرد بداية ليـا في الكتابات الإسلامية المعاصرة :))

وكويس والله إنك نبهتني لإبراهيم الخولي .. إن شاء الله هحاول أشوفه وما تقلقش خالص مش هأخاف :D


الله يخليك والله يا مصعب
جزاك الله كل خير على ردك وتشريفك الموضوع بجد :))