THOUSANDS OF FREE BLOGGER TEMPLATES

Search This Blog

November 13, 2010

حتـــى لا تكـــون فتنــــــة .... 3

(3)

ومع الباب الثالث حيث يستمر فهمي هويدي في عرض مختلف القضايا المعاصرة التي تخص العالم الإسلامي والعلاقة بينه و بين الغرب، ففي الفصل الأول يوضح لنــا "حقيقــة المواجهــة" بين الحضـارة الغربية والحضـارة الإسلامية التي تعمل على تقليصهـا الحضـارة الغربيـة وتفتيتهــا وإلغــاء أي أساس لهــا، فهم وحدهم القادرون على قيــادة العالم بعلمانيتهم القائمة على فصــل الدين عن الدولــة (حوار الصحفية الإنجليزية "بولي توينبي" مع اللاجئة اليوغسلافية "مليكة صالح بيجوفيك") فالعقـل الأوروبي – كمـا يقول هويدي – لا يرى مستقبلاً لغيـر مشروعه الحضاري، وكل تقدم أو إنجـاز هو منسوب له وحده دون غيره، فإمـا التغريب وإما الهلاك، ولعل هذا ما يفسر سـر احتفـاء الغرب بكمال أتاتورك وجماعة "الاتحـاد والترقي" الذي نقـل تركيـا من معسكر الإسلام والتحاقهـا بمركبة الغرب الظافرة.

ويستطرد هويدي في عرض المخطط الغربي للعالم الإسلامي مستشهدًا بدراسة للدكتور مروان بحيري (أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية في بيروت) يشرح فيها الطموحات الاستعمارية الغربية التي وصلت ذروتهـا في بداية القرن العشرين على يد كل من بريطانيـا وفرنسـا، وحلم تلك الأخيرة بدور قيادي في العالم الإسلامي؛ فقد تبارى الكتاب الفرنسيين – والغربيين على حد سواء – في الحديث حول "آفاق الإسلام في القرن العشرين" (إدسون فازي الصحفي الفرنسي، يوجين روبيرتي عالم الاجتماع الروسي، مارتن هوفمان أحد كبـار الدارسين الألمـان، موسورس جيكيس السياسي اليوناني البارز) ودعواتهم لإضعاف الإسلام وتشتيته (البارون كارا دي فو من المعهد الكاثوليكي) لجعله عاجــزًا إلى الأبــد عن اليقظــة الكبرى. وعن قضية الصفوة في العالم الإسلامي فقد كانت أحد الشواغل الأساسية للسياسة الفرنسية، والتي حيرتها المقاومة في الجزائر والمغرب، مما دفعها للبحث عن العناصر الاجتماعية في العالم الإسلامي، حتى خرج أحد المستشرقين قائلاً بأنه "إن على فرنسـا في الجزائر أن تسعى إلى خلق مجتمع جديد لا يعـود مسلمـًا، ويظل جزائريـًا دون أن يصبح فرنسيـًـا" (لوشاتيليه في "السياسة الإسلامية") وآخرون يدعون إلى "العمـل على أن يتولد إسلام جديد" أكثر ميلاً للمصالحة والتسامح مع أوروبـا وتشجيع العلمـاء الشباب الذين يسيرون في هذا الاتجـاه (إدمون دوتيـه).


ثم يختتم الباحث مروان بحيري بحثه قائلاً بأن التزييف ظل صفة متلازمة للعداء الغربي للإسلام، فكل دلائل النهضة أو الإحيـاء فُسرت على أنها "خطــر" ووسمت "تعصب" ولذلك لم يكن العالم الإسلامي هدف غزو فحسب، بل وتشويه سمعة أيضـًا. ثمة نقطة أخرى يضيفها هويدي وهي أن القضية في أساسها صراع تاريخي محتدم بين حضارتين، إذ تسعى الحضـارة الغربية إلى تصفية الإسلام بكل الوسائل والأساليب؛ فهم لا اعتراض لديهم أبدًا عن الإسلام العقيدة والعبادة والتصوف، وإنما نظام الحياة الإسلامي الذي يوقظ همم المسلمين ويستحضرها ويبنون بهـا حضارة وتقدم ونهضة فهم يرفضونه ويحاولون سحقه في بذرته ونبته، سواء بقبضة السلطة أو الحيلة والمراوغة مرات ومرات (تركزت معظمها حول فكرة الدعوة إلى إسلام جديد)، ويضرب مثلاً بالقاهرة في أواخر العشرينيات وكيف أصبح المناخ آنذاك مشبعـًا برطوبة الأخذ بثقافة الغرب بكل ما فيها من خير وشر، وجد وهزل، وما أن تصدى لهـا الأستاذ محب الدين الخطيب وغيره من الغيورين على الإسلام بإنشائه جمعية الشبان المسلمين، حتى أُجهضت الحركة الإسلامية بإدانة الكاتب الخطيب والحكم الجنائي عليه.

مشكلة أخرى يثيرهـا هويدي في الفصل الثاني تتعلق بهؤلاء "المغيبين" وتلك الإشاعات والخرافات التي يروجها الناس فيما بينهم (الكلب الأسود شيطان خفي، نهاية العالم وخروج الدجـال نتيجة شيوع الفسـاد في الكرة الأرضية)، وما باغته أيضــًا من هؤلاء "المتدينين الجدد" الذين شغلوا أنفسهم بالمقابلة بين الجلباب والسروال، ومنهم من انصرف يدعو الناس من مغبة التشبه بالنصارى في أزيائهم، وهل النقاب بعين واحدة أم إظهار العينين .. وهكذا، ولكن هنا يركز هويدي على هؤلاء المتجهين إلى عالم الغيب، وعلى التوازي معهم هؤلاء الذين يصرون على التحقيق في عقائد الآخرين (هل الأباضية في عمان من الخوارج أم لا؟ هل للشيعة مصحف آخر غير الذي يعرفه المسلمون أم لا؟ هل تسرب الشرك في الصوفيين أم لا؟) الأمر الذي يعكس انفصالاً مؤرقـًا بين الوعي والواقع، وكيف انشغل الأغلبية عن عوالم مختلفة غير عالمنا الواقعي، وكأنهم لم يسمعوا بعد بتلك المشاكل والأزمات المؤرقة التي تجتاح العالم (نضوب المياه في أفريقيا مثلاً) ولا يعني هويدي هنـا عدم أهمية تلك الأمور، ولكنه يبحث عن الأولويات التي بجب أن تنصب جهودنـا وعقولنـا تجاههــا.

أمثلة أخرى يعددها هويدي حول تلك المناظرات والمجادلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع من مثل: المقابلة بين العروبة والإسلام، أولويات الانتمـاء (هل نحن مصريون أولاً، وعرب ثانيـًا، ومسلمون ثالثــًا)، الجدل حول الشريعـة (هل طُبقت بعد الخلافة الإسلامية أم لم تُطبق؟) الجدل حول الثنائيات المُقدَّرة على أمتنـا (الأصالة والمعاصـرة، الوطنية والإسلامية، العلم والدين)، علاقة الإمام محمد عبده بالماسون، والأفغاني باليهود، وجمال عبد الناصر بالموسـاد الإسرائيلي .. إلى آخر تلك المهاترات التي لا يجدهـا هويدي ســوى أنها تصب خارج الملعب الحقيقي لهؤلاء المتدينين المستميتين في الاستغراق في الأمور الغيبية، أو هؤلاء المثقفين المجادلين فيما يثير ضجيجـًا ولا يثمر طحينـًا، إذ يحاربون "معــارك الصفــر" حيث لا عدو حقيقي ولا غالب ولا مغلوب.

ويستدل هويدي أيضـًا بأمثلة من التاريخ الإسلامي؛ من عصر المأمون وانشغال العقل الإسلامي بقضية "خلق القرآن" مما تسبب في كف الناس عن الحديث في أمور العدل والشورى، إلى نهايات العصر العباسي حيث الانحطاط والتفسخ السياسي الإسلامي، وما سجله الشيخ محمد الخضري في كتابه القيم "تاريخ التشريع الإسلامي" عن سمات تلك المرحلة التي عددها في أمور ثلاثة هي:
1) تفشي روح التقليد.
2) ظهور الصراعات المذهبية.
3) شيوع المناظرات والجدل.
مما أدى إلى اختفاء تيار الاجتهـاد والإبــداع، كمـا يسجل ثانيـًا أن العقم الفكـري قد أفرز حالةً من التعصب المذهبي بين فرق المسلمين وتياراتهم المختلفة مما فتح الباب لمختلف ريـاح الفتنة والخصومة. ويذكرنـا أيضـًا بالإمــام محمد الغزالي الذي شهد تلك المرحلة وكان من المشاركين في مجالس النظر والجدل ولكنه سرعان ما انصرف عنها مدركـًا مخاطر التورط في معاركها الوهمية، فكان إنجازه العظيم في مؤلفه الموسوعي "إحيــاء علــوم الدين" في محاولة منه لإزالة الركـام الذي ران على علوم الشرع بفعل عصور الانحطاط.

ويأتي الفصل الثالث "هذا الذهــول القومي" استكمالاً للحديث عن تلك الهوة السحيقة بين عالمنـا وبين العالم الأول، عن هؤلاء المستنفرين لجهودهم في معارك الغيب والخرافات والأساطير بينما يبحث العالم المتقدم ظاهرة "العفاريت الصغيرة" – تلك القوى الصناعية الجديدة المتمثلة في دول جنوب شرق آسيا (كوريا الجنوبية، سنغافورة، تايوان، هونج كونج، تايلاند) والتي تنافس الغرب وأوروبـا بهمم مذهلة وقدرات بشرية عملاقة، وخشية ما يخشـاه هويدي من أن نستمر على ما نحن فيه منساقين في عالم الغيب بينما هم يفوزون بالتفوق والصدارة في عالم الشهـادة. وعلى حد تعبير هويدي، فعندمـا نعاني من مشكلات حيوية بمصر كانخفاض منسوب ميـاه النيل، وكيف أن مصــر باتت مهددة في مياههـا وأصبح الاقتصاد في استهلاكها مطلبًا مُلحـًا، ومع ذلك يظهر المسئولون ليعلنوا أن كل شيء على ما يرام، فنحن أمة لا تعيش أزمتها ولا تقدم نفسها على حقيقتها، وبالتالي تبث في الناس مبدأً راسخـًا بأن أوان العمل الجــاد لم يحِن بعــد، ممـا يصب في مجرى رفع التكليف عن الخلق وإعفائهم من عبء المشاركة وهم المسئولية.

وعن سؤاله عن "العمــل" للتصدي لمثل تلك المشكلات ورفع حالة الفصــام المدهشة تلك يُرجع هويدي مثل تلك النهضة على جهود الإحيـاء الإسلامي التي بدأت في القرن الثامن عشر إثر تحلل الإمبراطورية العثمانية واستمرت حتى عهد ثورة يوليــو (بدأها الشيخ حسن العطار إبان الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت، مطالبـًا بتغيير البلاد وتجديد ما بها من العلــوم والمعارف، ومن ثَمَّ تلميذه رفاعة الطهطاوي الذي نادى بإيقاظ سائر أمم الإسلام من "نوم الغفلـة"، ثم برز جمال الدين الأفغاني في القرن التاسع عشر ودعا إلى الاستقلال والحرية وخلفه كل من محمد عبده ورشيد رضــا، ثم جاءت ثورة يوليو مع التصور الغربي للنهضة) ورغم ما يراه هويدي من مآخذ على جهود الإحيـاء الإسلامي تلك إلا أنه يظل يُحسب لهـا أنها طرحت البديل الذي يمكن أن يُترجم هذه الخصوصية. وعن سبب ذاك الانفصــال الذي أصابنـا الآن يعزي هويدي ذلك إلى شقين:
1) أن سنن الله قد مضت في الأرض، فمن حاز أسباب التقدم فاز به، ومن سـار على الدرب وصـل.
2) أن الوعي بالتكليف الإلهي للإنسـان باعتباره خليفته سبحانه في الأرض، قد أصابه التخريب والإهدار بعضها خلفتها عصور الانحطاط، وبعضها أثمرته جهود حصـار الدين وتشويه التدين.

"عن الحكــم بمـا أنزل الله" هكذا يستهل هويدي الفصل الرابع ليحدثنــا عن "الديمقراطيــة" ومفهومهـا في الإسلام وهل تتعارض مع الإسلام أم لا. يشرح هويدي الديمقراطية من منطلق مبدأ إسلامي عظيم ألا وهو "الشــــــورى"، فهو لا يطرح الديمقراطية كبديلٍ عن الشــورى، وإنمـا يعتبرهـا في مقام المفضــول، بحيث إذا لم تتح الفرصة لإقامة مجتمع الشـورى فإننـا ننحــاز على الفــور إلى جانب الديمقراطية، باعتبـار أن المفضول هو الأجدر بالإحلال إذا غاب الأفضل. وهو يستغرب هؤلاء الذين يقولون "إمـا الشورى وإما لا" .. "الأمر الذي يسلمنـا إما إلى الفوضى، أو إلى الديكتاتورية وحكم الفــرد"، ومن هذا الاعتقــاد كان رفض فكرة الدستور في تجارب سابقة، بحجة أنه "من بدع عالم الكفــر وأنه يعني إلغــاء دور القرآن الكريم كتاب الله ودستور المسلمين الدائم" (مستدلاً هنا بثورة الدستور في إيران عام 1906، والأسـوأ منها في اليمن في ثورة 1948 في عهد الإمامة). ثم يستشهد برأي الإمام الغزالي في هذه المسألة إذ يقول: "الديمقراطية ليست دينـًا يُوضع في صف الإسلام، إنها تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم ..... إن الاستبداد كان هو الذي أكل ديننـا ودنيانـا ..... إن دولة الخلافة الراشدة اقتبست في بناء النظام الإسلامي من مواريث الروم والفرس دون غضاضة" وهنا يعقب هويدي على أهمية الديمقراطية وفك ذلك "الالتبــاس" عنها قائلاً بأنه "إذا قُدِّر للتطبيق الإسلامي أن يقوم، وإذا أردنـا له قيامة سوية ومسيرة آمنة، فليس أمامنـا سوى باب الحرية والديمقراطية ندخل منه ونبدأ به".

وحول ماهية صيغة التطبيق الإسلامي ينبهنا هويدي إلى قضية "الخلافــــة" فهي ليست بالصيغة الوحيدة للتطبيق الإسلامي كما يعتقد بعض الإسلاميين ويروجون له ويعملون على إحيائهـا، فالإسلام لم يحدد صيغة محددة في هذا الصدد، ولكن حدد للحكم أساسـًا وإطارًا، أي أن الإسلام لم يعنِ بكيفية تولي السلطة للحكم، ولكن عنى بأمرين:
1) أن تتبوأ السلطة أو السلطان مقعد الحكم برضاء الناس، المتمثلة في البيعــة.
2) أن تباشر السلطة مسئوليتها على أساس من الشــورى.
ومن هنـا يقودنا هويدي إلى أمر دقيق وحساس يتمثل في قضية "الحكم بما أنزل الله" والالتباس والغلط الواقع في هذا الأمر منذ نزول الآيات الثلاث في سورة المائدة والتي تصف من لم يحكم بما أنزل الله مرة بالكفر، ومرة بالظلم، ومرة بالفسق، ممـا أدى إلى انشقاق المتعاملين مع تلك القضية إلى شقين:
1) تيــار سارع إلى تكفير كل من لم يحكم بما أنزل الله (وهو الرافض لفكرة الديمقراطية لاعتقاده بأنها كذلك، أي صورة من صور الحكم بغير ما أنزل الله)
2) تيار آخر اعتبر هذه الآيات قد نزلت في اليهود وليس في المسلمين (وهم هؤلاء الذين يرون الإسلام دعوة دينية وليست نظــام حكم)

وعن موضوع الحكم في الإسلام، يستطرد هويدي فيقول بأنه عند أهل السنة "الحكم من الفروع وليس من الأصول"، بالتالي فعدم إقامتهـا لا يُعد هدمــًا لركن من أركان الدين، يُخرِج المسئول عنه من الملة، فضلاً عن أن الحكم فعل وليس اعتقادًا، والفعــل إن كان مخالفــًا لما أمر الله به كان معصيةً ولم يكن كفــرًا، ولمـا كان الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين مخالفــًا لأمر العمــل وليس لأمر الاعتقــاد كان ترك ما أنزل الله معصيةً ولم يكن كفــرًا .. وهو هنا يستدل بآراء كل من الطبري، والقرطبي، والرازي، والبيضاوي، وابن القيم الذي زاد الأمر وضوحـًا عندما قرر أن الكفــر نوعان: أصغر وأكبر، الكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النــار، والأصغر موجب لاستحقـاق الوعيد دون الخلود، والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر، وذلك بحسب حال الحاكم.

ويواصل هويدي حديثه عن صيغة الحكم الإسلامي في الفصل الخامس "في تدبير الإمــارة"، فكمـا علمنـا سابقـًا بأن الخلافة أو الإمامة ليست هي الصورة المُثلى الوحيدة للحكم، فالإسلام ليس له نظام أو شكل معين لنظام الحكم كما نعلم لأنه عنى أولاً بأن يقوم الحكم أيا كانت صورته (رئاسة، مملكة، سلطنة، إمارة) على الشــورى، وأن يتم برضاء الناس وتأييدهم. ويعزي هويدي ذلك الانقســام بين مؤيدي الديمقراطية ورافضيها إلى 3 شقوق:
1) شق يتصل وثيق الصلة بواقع التخلف الذي تعيشه أمتنـا.
2) شق يتصل ببعض موروثات التركيبة النفسية العربية منذ عصور التفاخر بالأنسـاب.
3) شق يتمثل في تأثر العقل الإسلامي بمخاطر الفتنة الماحقة التي لاحت في أعقاب مقتل الخليفة عثمـان بن عفـان (في إشارة واضحة لموقعتي "الجمل" و"صفين")، عندمـا بدا أن دولة الإسلام مهددة في بواكيرها بالانهيـار.

ويعدد لنـا هويدي نماذج أعلامٍ كتبوا في فن الحكم على رأسهم القاضي أبي الحسن الماوردي (الأحكام السلطانية، نصيحة الملوك)، وابن حزم (كتاب السياسة)، والطرطوش (سراج الملوك)، وأبو بكر المرادي الحضرمي (كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة). ويستوقف هويدي رأيين من أهل الحنكة والخبرة السياسية العريضة أحدهمـا "أبو الحسن الماوردي"، والآخر "أبو بكر الحضرمي". في كتابه "نصيحة الملوك" يستهل الماوردي بأهمية توجيه الخطاب إلى الحكام أو الملوك مؤكـدًا أنهم أولى الناس بأن تُهدى إليهم النصائح حيث كان في صلاحهم صلاح الرعيــة، وفي فسادهم فسـاد البريـة، فينبههم إلى ما يلي:
1) دفع مضرة أصحاب الأهواء وغلبة وزراء السـوء وطلاب الدنيـا.
2) قطع أسباب اختلاف الرعيــة.
3) الحيلة في حسم أطماع العدو.
4) ضرب المثل بالخصال الشخصية الشريفة، التي تشيع الفضائل وتسمو بالهمم بين الناس.
ومن النقـاط التي ركز عليهـا الماوردي في سياسة العامة، كانت قضية العدل، مستشهدًا بالآيات القرآنية الدالة على ضرورة إرساء العدل، ثم بالحديث النبوي: "ما من والٍ يلي الجماعة، إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان، أنجاه عدله، وأهلكه جوره"، وكذا أقوال كل من الخليفة عمر بن عبد العزيز: "إن الله جعل الإمـام العادل قوام كل مائل ..."، والخليفة عثمان بن عفـان: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". أما عن أبي بكر الحضرمي، فلم يترك بابًا من أبواب السلوك العام والخاص إلى وتطرق له، ابتداءً من الحض على القراءة والتعلم، وانتهاءً بالمكر والتداهي والتغافل (أي التحلي بالغفلة مع تمام اليقظة والفطنة)، مع ما أورده من نصائح "بروتوكولية" عديدة للحاكم ومستشاريه، وكتّابه، وأعوانه، وخلطائه، وأصحابه، وأحجابه.

ومن نظــام الحكم وأسسه وتشريعاته يأخذنـا هويدي لنقطة "التصحيح" في الأوضـاع الراهنــة مستشهـدًا بحادثــة "عــــام الجماعــة" عندمـا التقت فيها كلمة المسلمين على بيعة معاوية بن أبي سفيان في عام (41 هــ) بعد سنوات التمزق الست التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان. يشير هويدي إلى أهمية مصر ودورها الإقليمي المميز وكيف أن صلاح العالم العربي وانهياره وانكسـاره مرهون بهـا – قوةً وضعفـًا – وليس ذلك كبرًا ولا منـًّا، ولكن هذا ما أكدته حقائق التاريخ والجغرافيـا، وهو هنـا يدعونـا جميعـًا لرد العافية للجسم المصري، وبالتالي استعادة دورها الإقليمي، وبين أيدينـا فرصتان ذهبيتان لتحقيق ذلك: انتخاب مجلس نيابي جديد، وانتخابات رئاسة الجمهورية. ويستحضر هويدي صفحات من التاريخ الأموي أملاً منه في إيجاد ما يهمنا معرفته فيها واستيعاب دروسه والتعلم منه.

في البداية ينبهنـا هويدي بأن المرحلة الأموية كانت تعبيرًا عن الانتقـال من الخلافة المثالية إلى الخلافة الواقعية، وقد شهدت تلك المرحلة بناء الدولة الإسلامية الكبرى من حدود الصين وما وراء النهر، وحتى الأناضول وأفريقيـا وإسبانيـا، وكانت نقطة البدء في الانطلاقة الأموية هي لم شمل الجماعة، وتوحيد الصف عبورًا على الفتنة التي أثارهـا مصرع عثمان بن عفان، والمحنة التي عاشتها الأمة الإسلامية في ظل الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية. ومن الصفحات بالغة الأهمية والدلالة في تلك المرحلة، كانت "مرحلة عمر بن عبد العزيز" أو "الصفحة العُمَـرية" بعد أن ظهرت مؤشرات الانحراف والفســاد التي خلفها سلفه، فهــو:
1) يمثل حقبة ثالثة في التاريخ الإسلامي، بعد القيادة الاستثنائية الأولى.
2) ضُرب به المثل في كفاءة التصحيح، مما يضع أمامنا تجربة عملية لمنهج وكيفية التصدي لمراكز القوى ورموز الفسـاد ليس فقط بالقيادة الرشيدة، وإنما بالتغيير الذي يوفر الأدوات الرشيدة أيضــًا.

ثم يعقد هويدي مقارنة بين ما عمله عمر بن عبد العزيز وما يحدث أمامنـا الآن على الساحة؛ إن عُمر الذي دخل من باب الشرعية وأمام التقليد الذي أرساه بنو أميـة (كانت الخلافة بولاية العهد آنذاك) قد أصر على أن تكون خلافته برضـا الناس، كمـا أصر على التخلص من مختلف مظاهر البذخ والترف التي عنى بهـا سلفه، والتنبيه على عدم التفريط في أموال المسلمين. وعلى صعيد الممارسة بدأ بنفسه وببيته، وبعدمــا أنجــز تلك المرحلة، اتجه إلى خطوته التصحيحية التالية، اتــجه إلى بني أمية الحزب الحاكم آنذاك، ففرغ منهم وطهّر بناء الدولة من قمته، ثم أدوات النظام وممثليه، فعزل من عزل، ونحى من نحى عن مواقعه السابقة واستبدلها بعناصر جديدة، ولم يقف عند ذلك فحسب (أي مجرد التغيير والتشدد في الانتقاء) وإنما كان يراقب كفاءة الأداء والإنجاز بعينين ثاقبتين، هذا فضلاً عن موقفه من الخوارج وغيرها من المواقف التي تُحسب له. وبذلك قاد عمر بن عبد العزيز دولة الإسلام إلى شط الأمان إلى أن تبددت على يد خلفه "يزيد بن عبد الملك" وما قام به من "ثــورة مضــادة" هدمت كل ما أنجزه عمر بن عبد العزيز على طريق التصحيح والتقويم، وبذلك فإن هذه الردة الأموية كانت سببًا في تحريك قوى المعارضــة من خلال تنظيمات الدعوة العباسية السريــة.

وعن "الداخليــة والناس" يحدثنـا هويدي في الفصل السابع. يرى هويدي أن وظيفة رجل الأمن ليست في "أن يحمي الواقع، وليس له أن يصادر الحلم، وإما مهمته ورسالته هما أن يحرس القانون، وأن "يؤمِّن" مختلف الممارسات التي تتم في إطاره". كمـا يضيف "إن صاحب الشرطة في الفكر الإسلامي المبكر، هو من أهل التنفيذ وليس من أهل التفويض" (مستشهدًا بتعبير الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" في هذا الصدد). ومن هنـا يتحدث هويدي عن الأوضاع والممارسات الأمنية في مصر، والتي يراهــا تستحق المناقشة والمراجعـة .. ثمــة أزمة ثقــة هنـاك بين الأجهزة الأمنية وبين قطاعات عريضة من الشباب النقي والمخلص والبالغ الاعتدال، نحتاج إلى تعاون صادق بين الطرفين لتحقيق الصالح العام ويُستتب الأمن العــام. وهو هنـا ينتقد تصريح وزير الداخلية المصري اللواء زكي بدر والذي قال فيه إن هناك أناسـًا في مصر يريدون إقامة الخلافة أو إعادتهـا، وأن هذه الخلافة لن تكون، والذي في ظاهره إيحاء برفض ومصادرة هذه الدعوة، ولكن هويدي رغم ما يعتبره ترفيهـًا سياسيـًا وفكريـًا لمناقشة فكرة الخلافة، وبصرف النظر عن أن النظــام السياسي الإسلامي لا يحدد شكلاً أو صيغة محددة لنظــام الحكم، وإنما الشــورى هي القاعدة والأساس والأصــل، يرى أن ذاك التصريح قد جانبه الصواب بكل المعايير الأمنية والسياسية والدستورية.

نقطــة أخرى تستحق المناقشــة ألا وهي بعض ممارسات أجهزة الأمن تجــاه الشباب المسلم الذي يريد الدعــوة إلى الله، ويخدم دينه وأهله دون أن ينخرط في أي تنظيم سري أو جماعة متطرفة ودون أن يتصادم مع السلطة (راجع فصل "أمراء الصعيد المحدثون" في الباب الثاني، وإقرار هويدي بأن مثل هؤلاء لا يغيرون من المنكرات شيئــًا، ولكن فقط "يشاغبون عليهــا" مثيرين ضجيجًا إعلاميـًا فيما لا يفيد البتــة)، ويستعرض هويدي نماذج ثلاثة لتلك الممارسات والتي بدورهـا تثير أمورًا ثلاثة جديرة بالبحث والمناقشــة:
1) الأمر الأول يتعلق بأزمة الثقة القائمة بين أجهزة الأمن وبين المتدينين عامةً، فالشك متبادل ومستمر، والاتهـام قاعدةً وليس استثنـاءً.
2) الأمر الثاني يتعلق بالأثر السلبي الذي أحدثه الإعلام الأمني وشوه كل جهد يُنسب إلى الإسلام بما في ذلك تحفيظ القرآن الكريم.
3) الحيرة الشديدة التي يعيشها الشباب المسلم الذي يبحث عن طريق مشروع وآمن ليخدم دينه وأهله ووطنه، وتُشعره بعض الممارسات الأمنية بأن الطريق أمامه مسدود.