حتـــى لا تكـــون فتنــــــة
فهمي هويدي
أن تقرأ لفهمي هويدي، فأنت بصدد كاتبٍ من طـراز خاص، فهو الصحفي الجريء الذي لا تعرف كتاباته الخطوط الحمراء، المثابر الذي كرس جهوده في معالجة إشكاليات الفكر الإسلامي والعربي في واقعنا المعاصر، داعيـًا إلى ترشيد الخطاب الديني، ومواكبة العصر. بمهارة لغوية فائقة وقدرة إنشائية هائلة تنوعت كتاباته بين القضايا المصرية الداخلية التي تناولت الإصلاح السياسي والاجتماعي في مصر، والقضايا العربيــة وعلى رأسهـا القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، كمـا تناول مسألة الصدام الإسلامي – العلماني، وكيف تميزت تلك الكتابات بمحاولات جادة لتحرير الخلاف والدعوة إلى نبذ الغلو في الأفكار والأحكام المسبقة على الجانبين، لعــل من أبرزهـا كتابه "حتى لا تكون فتنــة" الذي بين أيدينـا الآن، ليصبح بذلك من أبرز الكتاب والمفكرين العرب المعاصرين.
(1)
في الباب الأول يشرح لنـا فهمي هويدي "زمن الالتبــاس"؛ كيف نشــأ ذاك الالتبــاس وكيفية معالجته لقيام دولة الإسلام الحضاري، وإذا به يبدأ بمفهوم "الأصولية الإسلامية" وكيف أن مفهوم "الأصوليين" له دلالته المختلفة في العرب عنها في الغرب، فهي عند العرب تعني المتخصصون في علم الأصــول (أصول الدين وأصول الفقه) العارفون بالأدلة الشرعية التي هي آله الاجتهاد وعدته، أما في الغرب فهي طبقة من متشددي البروتستانت لهــا فكرها وكنائسها المعتمدة في الولايات المتحدة الأمريكية وتقوم على دعوتهم على العودة إلى أصول المسيحية الأولى والتمسك بحرفية الكتب المقدسة ويخلطون التعاليم بالخرافات بالأساطير القديمة، بما يعني أن الأصوليين في الخطاب الغربي هم قوم لهم أفكــار وصفات محددة وقسمات مشتركة، لا علاقة لها بواقع الظاهرة الإسلامية متعددة الأفكار ومختلفة القسمات، ومن هنا جاء تشخيص الكتاب الغربيين للأصولية الإسلامية "في ظاهرة سلفية خرافية، غامضة وطارئة، مماثلة كحركة تلك الجماعة الإنجيلية من البروتستانت، فأخذنا عنهم ذاك المصطلح مرددين إياه دون وعي أو علم فكانت الأخطاء الجسيمة بحق الحاضر والمستقبل، إذ يضع المصطلح الكل في سلة واحدة متجاهلاً خصوصية الفصائل والتيارات الإسلامية المختلفة اختلافـًا جذريـًا في الوسائل والأهداف فلا يُعرف الصالح من الطالح، أو المعتدل من المتشرد أو المتطرف."
وبذلك جاء مقال الكاتب "دعوة إلى الفرز" بدعوةٍ إلى رؤية منصفة للواقع الإسلامي، وعدم الخلط بين الفصائل المختلفة في الأسلوب أو الهدف، فالصحوة الإسلامية في عالمنا العربي ليست بالأمر الطارئ أو المفاجئ كما روج له بعض الكتاب الغربيين، و إنما تدافعت موجاتها منذ الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر، وحتى اليقظة الإسلامية في مصر في بداية القرن الماضي على يد جمال الدين الأفغاني، مستدلاً بذلك من آراء الغربيين أنفسهم (لوثروب ستوارد وكتابه "حاضر العالم الإسلامي").
وعن اليقظة الإسلامية في مصر يشرح لنــا فهمي هويدي المراحل الثلاث التي مرت بهــا:
1) مرحلة كانت اليقظــة فيها رأســًا بلا جسم: وقد لمع فيها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وامتداديهما (رشيد رضـا، عبد الرحمن الكواكبي) ولكنها لم تتمتع بجماهيرية بين القواعد بينما اقتصرت فقط على النخبــة.
2) مرحلة كانت اليقظــة فيها رأســًا وجسمـًا: والتي أنشئت على يد حسن البنـا وجماعة الأخوان المسلمين، وقد استطاع البنـا حشد رقعة متميزة من المجتمع المصري حتى أُوقف نشاط الجماعة في الخمسينيات.
3) مرحلة كانت اليقظــة فيها جسمـًا بلا رأس: حيث اتسع المحيط الإسلامي بشدة ولكن اُفتقد القائد، أو التنظيم القائد، أو الفكــر القائد، أو الرمز القائد.
ولمــا كانت تلك المرحلة الثالثة هي التي تعنينا الآن لأن غرسها هو حصاد الغد، فيقول هويدي بأن النشاط الإسلامي في هذه المرحلة كان موزعــًا على دوائر ثلاث:
1) الإسلام غير الحركي وغير المسيس
(الاهتمام بالمسائل العبادية دون الانخراط في أي نشــاط فكـري أو تنظيمي)
2) الإسلام التعبوي والحركة
(مجموع الفصائل والتنظيمات، والمنظمات العاملة على الدعوة الإسلامية)
3) الإسلام العملي
(المؤسسات الاقتصادية ومشروعات الخدمات التي تقدم نفسها باعتبارها جهودًا تطبيقية للمشروع الإسلامي)
وهذه المؤسسات تمضي بدورهــا في اتجاهات أربعــة:
1) الإسلام الانقلابي: إدانة المجتمع بأســره، والدعوة إلى تغييره بأسـره.
2) الإسلام الانتحاري: انتهاج سبيل القوة البدنية والمسلحة والصدام المستمر مع السلطة مندفعين بالرغبة في الاستشهاد.
3) الإسلام الانسحابي: العناية بالأمور العبادية والأخروية دون الحياتية و العملية.
4) الإسلام الحضاري: والذي ينص على أن الإسلام نظام حيــاة ومشروع للمستقبل به تتحقق نهضة الأمة واستقلالها، ويستوعب أبناء الوطن الواحد دونما تفرقة بين مسلمين أو غير مسلمين، وهذا الاتجــاه – كما يقول هويدي – مرهون بتوفير عناصر عدة تتنوع بين إعادة النظر في ترتيب الأولويات لدى المشتغلين بالعمل الإسلامي، وإدراك أهمية العمل التربوي والرسالي (باعتبار أن الإيمان الواعي هو أساس المشروع الإسلامي، وأن تأسيس الفرد المسلم أهم من إقامة الحكومة الإسلامية)، وفتح الحوار على التيارات الفكرية والسياسية الأخرى، وكذلك مد جسور الحوار بين الطوائف غير الإسلامية التي تعيش وسط مجتمعات المسلمين، وتجنب الوقوع في فخ الخلافات المذهبية، وأخيرًا التعاون مع العالم الخارجي من موقع المصلحة والفهم والتعاون المشترك، وليس من موقف الإنكار أو العداء أو الاستعلاء.
في الفصل الثاني ينتقل بنــا الكاتب إلى مفهوم آخــر وهو "الإسلام الوظيفي" أو "توظيف الإسلام" والذي يعرفه بأنه الحضور الحقيقي في الشارع وليس في المسجد (الدين المعاملة)، فالإسلام دين ودنيــا، وهو بذلك يختلف عن المسيحية حيث "إذا كان الفصل بين الدين والدولة يعد جزءًا من الإيمان المسيحي فإن الوصل بينهما جزء من الإيمــان الإسلامي"، ويفند آراءه باقتباسات من الشيخ محمود شلتوت ("الإسلام عقيدة وشريعة") وبعض المستشرقين ("د.شاخت" الألماني، و "فيتز جيرالد" في كتابه "القانون المحمدي") ليعطي مفهومـًا شاملاً كاملاً للإسلام باعتبــاره نظـــام حيــاة، وموضحـًا بأن العبـادة ليست فقط صلاةً وصيامـًا وحجًا وصلةً بالله، وإنمــا هي كل عمل صالح يؤديه المرء وكل سلوك قويم يباشره.
ويأسف الكاتب لإهمال السلطة لتلك الغاية السامية من توظيف الإسلام معزيــًا ذلك إلى التردد والتوجس من ناحية، وإلى المنظور الأمني الذي قُرئت به الظاهرة من ناحية أخرى، وربمـا تحميل المشروع الإسلامي بأخطاء وخطايا التطرف المنتسب إلى الإسلام. ثم يعقد مقارنةً بين التوظيف الإسلامي في الماضي (الإخوان المسلمون وما قاموا به من مشاريع اقتصادية لتنمية الثروة القومية وحمايتها وتحريرها) والحاضر (السبعينيات حيث الانفتاح والتفسخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي وكثرة الأموال في أيدي الناس) مستشهدًا كيف استقطب الخطاب الإسلامي لهذه المشروعات آنذاك جمهورًا عريضــًا أكثره لا يعرف شيئًا عن التجارة أو الاستثمار أو معاملات المصارف فكانت النتيجة أن انحرف مفهوم التوظيف الإسلامي فكانت كلمة "حلال" و "التعامل بغير ربـا" هي كلمة الســر لجذب الناس والدعوة إلى قلوب الخلق بحجة "الجمع بين الحُسنيين" أي بين الربح الوافر والدين، لذا يدعو فهمي هويدي إلى تصحيح مسار التوظيف الإسلامي وليس قطع الطريق عليه كما يريد بعض المتشددين لأن يفعلوا، متهمــًا إياهم بأنهم يخطئون الواقع والتاريخ، وحتمًا خاسرون ومهزومون.
يعيدنــا فهمي هويدي إلى "نظرية الالتبــاس" مرة أخرى في الفصل الثالث "صحوة أم كبـوة" واصمــًا زمننـا الحالي بأنه زمن الالتباس الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، والصواب والخطـأ والحلال والحرام، فأفرز جيلاً من الشباب حائرين ما بين هذا وذاك. وقبل أن يحدثنـا عن أسباب ذلك الالتباس الحاصل اليوم ينبهنا إلى ضرورة المعرفة بأمرين: أولهمــا أن رؤية الظاهرة الإسلامية والحكم عليهـا يتأثران كثيرًا بالزاوية التي يقف عليها الرائي أو المشاهد، فهناك من يراها في العنف المادي، وهناك من يراها في العنف الفكري، وهناك من يراها في ظاهرة الدراويش، أو المتاجرين بالدين والنصب على الناس، أو هؤلاء المعتدلين المتحلين بالفضائل السلوكية والعملية والذين يمثلون طليعة التغيير التي تبشر بكثير من الأمل. لذا يرى هويدي أنه من الخطــأ الفادح التعامل مع ظاهرة الصحوة الإسلامية بـــ"تطرف"، أي تشخيص الأمر من زاوية واحدة دون اعتبارٍ للزوايا الأخرى أو إمكانية أن تكون للصورة مكونات وظلال أخرى، وكذلك التحقق مما هو قاعدة أو استثناء، أو سوي أو شـاذ.
أما الأمر الثاني فيتمثل في عمق الآثار المترتبة على القيد القانوني الذي يحول دون إنشــاء تجمعات سياسية على أساسٍ ديني في مصر، الذي يؤدي ليس فقط في انتشــار التجمعات السرية وإنمــا يحجب تيــار الاعتدال والوسطية وبالتالي يفتقد إلى الكيان القانوني والشرعي المعبر عنه، ليظــل ممثلاً في أفرادٍ مبعثرين محدودي الجهد والطاقة وفرصتهم في إبراز أنفسهم ضئيلة ومعدومة، ومع التناول الإعلامي البغيض لمثل هذه الأمور نرى التطرف هو الأصل، والاعتدال هو الاستثناء، وقلة رموز الاعتدال وغيبتهم في مقابل تجمعات التطرف، وهنــا يكمن الالتبــاس، ومع تدقيق النظر يشير فهمي هويدي إلى أمور أخرى في هذا الصدد لا يُخفى أهميتها تتمثل في:
1) عدم وضوح المنطق الأساسي للتعامل مع الظاهرة الإسلامية (هل المطلوب تصحيح الظاهرة أم تصفيتها؟)
2) عدم وضوح الأحجام والأوزان الحقيقية لتيارات الظاهرة الإسلامية وفصائلها (عدم معرفة ما الذي يجب أن يُهمل شأنه، وما الذي ينبغي أن يؤخذ مأخذ الجد من تصرفات الإسلاميين)
3) الأخطاء والخطايا التي يمارسها بعض الإسلاميين، وبالتالي تسهم في تشويه الظاهرة الإسلامية وتنفير الناس منها.
4) التناول الإعلامي للظاهرة الإسلامية (افتقاد الإنصاف والحيدة)
5) الفوضى الفكرية، حيث خاض في الإسلام كل من هب ودب من الكتّاب، فازداد الناس اضطرابــًا وحيرة.
6) الفراغ الفقهي، ويُعزى إلى سكوت العلماء الأزهريين على كل تلك المهازل.
كيف يكون الحل الإسلامي؟ وإلى أين يقودنا؟
هكذا تساءل هويدي في الفصل الرابع "الحل الإسلامي" الذي يعرّفه نظريــًا بـــ"تدبير شئون الخلق وفقــًا لتعاليم الإسلام، أو استلهامــًا لقيمه، بما يحقق المصالح والمقاصد المعتبرة في الدنيــا والآخرة". وهو في تعريفه هذا يستند على اقتباسات متعددة لفقهــاء عديدين أمثال ابن القيم في كتابه "أعلام الموقعين" والمعز بن عبد السلام والشاطبي وغيرهم. ثم يفترض هويدي واقعيــًا خمسة تصورات للحل الإسلامي هي:
1) مستوى حضــاري، يتعامل مع الحل الإسلامي بحسبانه الصيغة الوحيدة التي تكفل للأمة استقلالها في وعـاء حضاري متميز، يثبت خصوصية الأمة ويرد إليها ذاتها واعتبارها، ويعتقها من أسـار الانسحاق والتقليد (دعوة جمال الدين الأفغاني إلى الثورة والتمرد على سلطان الآخر).
2) مستوى أصولي، يرى في الحل الإسلامي إحياءً لحقيقة الدين، واستدعاءً للتعاليم لتحتل مكانها الحاكم في المجتمع، بحيث يتجاوز التدين حدود العلاقة القلبية بالله سبحانه وتعالى إلى محيط الواقع المعيش فيُترجم إلى مواقف وسلوكيات ونُظم تضبط إيقاع الحيــاة (محاولات الإحياء الديني على يد الشيخ محمد عبده وتلاميذه، والأستاذ حسن البنــا وجماعة الإخوان المسلمين مع الفارق أن الجماعة نقلت دعوة الإحيــاء من مجامع المثقفين ومنتدياتهم إلى الشارع، ثم محمد الغزالي الذي تبنى الإحياء الواعي للدين في كل الأقطار العربية والإسلامية، وانتهاءً بيوسف القرضاوي و"تيار الوسطية الإسلامية")
3) مستوى اعتقادي، يرى ضرورة أن يرتكز الحل الإسلامي أولاً على سلامة الاعتقــاد (كان سيد قطب هو أول من طرح هذا الرأي من المعاصرين)
4) مستوى تشريعي، يتصور الحل الإسلامي دعوة للالتــزام بالنظم القانونية التي جاء بهــا الإسلام في كافة المجالات المدنية أو الحياتية، أو الأحوال الاقتصادية أو في الميدان الاقتصادي.
5) مستوى عبادي أخلاقي، يتصور الحل الإسلامي صيغة لتوثيق الصلة بالله وحصنـًا يحمي الأخلاق والفضائل، وسبيلاً إلى مقاومة البدع وتطهير الاعتقاد من الانحرافات ومختلف صور الضلال (الجمعية الشرعية، الطرق الصوفية، بعض التيارات السلفية)
ومن هنـا لا يرى هويدي أية مبالغــة في القول بأن كلا "المستويين الحضاري والأصولي في فهم الحل الإسلامي هما الأقرب إلى التعبير الصحيح عن رسالة الإسلام وروحه"، وأن الحل التشريعي (الاعتقادي، والتشريعي، والعبادي الأخلاقي) "يغدو اختزالاً لمفهوم الحل وابتســارًا منكورًا للشريعة المُنزَّلة"، مستشهدًا بالنهج الذي اتبعــه الرسول – صلى الله وعليه وسلم – في دعوته إلى "الحل" في المجتمع الإسلامي الأول، إذ تم تطبيق الحل على مرحلتين: مكية (13 عامـًا) وفيها انصب الجهد على تطبيق الإسلام على المستوى الفردي، ثم المرحلة الثانية، مدنيــة (10 سنوات) وفيها جرت إقامة الدولة ونزلت التكاليف وشُرعت الحدود. ثم يخلص هويدي إلى الأصل في كيفية الحل الإسلامي موعزًا إيــاه إلى اتبــاع مبــدأ "الشـــورى" (إعمال التطبيق في المجال السياسي) والذي يثبت قيم الحرية والديمقراطية، ويحقق التقدم بعد ذلك في أمان، مؤكدًا على خلخلة البنــاء الإسلامي في العصر الأموي إثــر عدم تطبيقهم لذلك المبــدأ.
ينتقل بنــا فهمي هويدي إلى "هؤلاء الدراويش" المنصرفين عن تخصصاتهم الحياتية المختلفة مفضلين عليهــا حياة "الدروشــة" وانحصــار اهتماماتهم في فرعيات الفروع الدينية المختلفة (آداب الحج والعمرة، علامات الساعة، حكم تارك الصلاة، صحة أحاديث المهدي المنتظر) وذلك بحجة التقرب إلى الله والتعبد له، ثم يستعرض آراءً للشيخ محمد الغزالي في كتابه "مشكلات في طريق الحياة الإسلامية" يحث فيها على ضرورة الاهتمام بالميادين الحياتية المختلفة والانصراف عن تلك القراءات التخصصية في الدين التي هي ليست بالمطلوبة منه، وإنما التركيز فيما يعمله ويدرسه من مختلف العلوم الدنيوية المفيدة التي تعود على مجتمعه بالتقدم والرقي والحضــارة، ويعقب أنه "يستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالاً بالدنيــا عجزة عن الحيــاة".
ثمة أمــرٍ يحدثنا عنه هويدي ألا وهو إجهاض الظاهرة الإسلامية، إذ يتحقق من خلال بابين بالدرجة الأولى: الخلاف المذهبي (الشيعة والسنة، الوهابية والأباضية، الأباضية والزيدية) والدروشــة، وتلك الأخيرة تعمل على تفريغ الظاهرة الإسلامية من مضمونها الفاعل، وتحولها إلى ظاهرة انسحابية، ويراها هويدي في ظروفنا الراهنة خطــرًا أشد، حيث يعتبره من قبيل صرف الجهد فيما لا ينفع، لا في الدنيـــا ولا في الآخرة (ويسوق الأدلة على العبادة ومفهومها الشامل الأعم لشيخ الإسلام ابن تيمية، ويوسف القرضاوي) ثم يستطرد ليوضح لنـا أسباب شيوع تلك الظواهر الغريبة البعيدة عن روح الإسلام ورسالته الشاملة في الحيــاة.
في الفصل السادس، يحدثنـا فهمي هويدي عن الحقوق الصغيرة، داعيــًا إيانـا إلى ممارسة حق المواطنة في أصوله الواجبـة، بما يكفله لنــا القانون الوضعي وميثاق حقوق الإنسان، وتمتد دعوته لتشمل أيضـًا التصحيح، وذلك من منطلق تكليف شرعي أضعناه في غمرة الاهتمام الزائد بالحقوق السياسة والمدنية، والتي على قدر أهميتها إلا أنها ليست بأشد أهمية من القانون الإلهي؛ إنها دعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يتساءل عن أسباب انصراف أغلب الفقهاء عن العناية بهذا الأمر حيث ظل جل تركيزهم على إنكار ظلم الحكام والولاة، ومكافحة المعاصي والبدع، ويعزيهـا أيضـًا لاختفاء وظيفة "المحتسب" الذي أنيطت به كل هذه الأمور في بكورة العالم الإسلامي. يذكرنــا بالشيخ محمد الغزالي وما كتبه في هذا الصدد تحديدًا وما ضربه من أمثلة عديدة للمكروهات التي يجب النهي عنهـا حتى تستقيم حياة المسلمين وتتيسر لهم سبل المعاش، وقد احتلت منكرات الأسواق والشوارع الصدارة. ثم يتساءل عن انصراف الناس في زماننا وقلة مبادراتهم مرجعــًا إياها إلى تراكمات عديدة أقنعت الناس بأن دورهم غير مطلوب أساسـًا، وأن التمسك بالحقوق أيا كانت تجر عليهم متاعب لا قِبــَل لهم بهــا، وبالتالي لا مفر لهم سوى الرضــا والسكوت.
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينقلنـــا فهمي هويدي إلى "الإسلام الاجتماعي" في الفصل السابع، فثمة علاقة بين التدين والرقي، وبينمـا نفاجـأ نحن الآن بما هو نقيض ذلك تمامــًا، إذن نحن بصدد خللٍ ما يحتاج إلى تصحيح. يرى هويدي أن استنقاذ الإسلام الاجتماعي لا يعني إسقاط دور الإسلام في البنـاء السياسي، فهدف الإسلام يؤسس صلاح المجتمع على صلاح الفرد، ويقيم حكومة إسلامية في قلب كل مسلم قبل أن يقيمها في أرض الواقع الإسلامي، وحيث أن للإسلام شعبتين لا توجد حقيقته ولا يتحقق معناه إلا إذا أخذت الشعبتان حظهما من التحقق والوجود في عقل الإنسان وقلبه وحياته: العقيدة والشريعــة (الإيمان والعمل الصالح كما فسرها الشيخ محمود شلتوت) يدعونا هويدي إلى إعادة ترتيب الأولويات فنوجه الاهتمام الواجب للأساس الثاني – بعد العقيدة .. والذي يُشيد عليه البنــاء كله، فلا قيامة للإسلام السياسي بغير الإسلام الاجتماعي في المقام الأول، ومن هنا جاءت النهضة موزعـةً بين مدرستين: التغيير السياسي على يد جمال الدين الأفغاني، والعمل الاجتماعي الإصلاحي على يد الإمام محمد عبده.
و بينما يتطرق هويدي لانتقاد بعض السلوكيات الاجتماعية البغيضة كالعبوس، وعدم الحرص على النظافة، وسلاطة اللســان، والنفاق، والغش، والفحش والبذاءة، والكِبْر، وقطع الرحم، والإسراف والتبذير، والانصراف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من الأمراض الاجتماعية المتفشية في مجتمعاتنا، حتى يتساءل عن أسباب ذلك التفسخ الاجتماعي: أهو عجز التعاليم؟ أو عجز الناس؟ أو عقم التوجيه والترقي؟ ويخلُصُ إلى الخيار الثالث شارحًا كيف يتم ذاك التوجيه عبر قناتين: الجهد الحكومي (التعليم والإعلام) والجهد الأهلي (توزع على يد الطرق الصوفية والتربية السياسية)، دون أدنى اهتمام بالتربية الاجتماعية (باستثناء تجربة الإخوان)، ومتعللاً بأن الناس على ما تربوا عليه وهيئوا له، فإن تربوا على القعود قعدوا، وإن تربوا على النهوض نهضوا.
واستكمالاً للحديث عن الإسلام الاجتماعي ينبهنـا فهمي هويدي في الفصل الثامن إلى "الطاقة المعطلة المهدورة"، ألا وهي المساجد، وما يمكن أن تحرزه من تقدم إذا ما اُستخدم ثقلهـا وتأثيرها في الدفاع عن ذلك المجــال (تجربة الشيخ سراج في مسجد بروكلين بالولايات المتحدة) على كثرة عددها وانتشارها في كل مكان، وإعمارها الدائم بالخلق لأداء صلواتهم المفروضة، أو صلاة الجُمع، وهؤلاء الراغبين في التعلم والإفادة والاستجابة إذا ما توافر لهم الخطباء المناسبين الذين يخاطبون ضمائرهم بعلمهم ووعيهم.
ثم يعدد تاريخ المساجد في ميلاد دولة الإسلام (عن مؤلفات المستشار عبد الحليم الجندي، ومجموع الفتاوى لابن تيمية) وحتى العصر الحالي، من الأربعينيات ومنتصف الخمسينيات خاصـة، حيث كان صوت رواد الأزهر يعلو ويصدح في جنبات القاهرة، مرورًا بتأثر تلك المسيرة بالصدام بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين الذي ألقى بظُلله على مجمل النشاط الإسلامي في مصر، حتى غرس بذور الشك في كل عمل إسلامي عام، وسيادة الـتأثر بالفكــر الغربي (الاشتراكية، والعلمانية، واليسارية)، وانتهاءً بظهــور الجماعات المتطرفة في أوائل السبعينيات والتي أدت بدورها إلى تزايد التضييق على المساجد، فخرج المسجد عن تأثيره الثقافي والاجتماعي خصوصًا مع تدهور حال الخطباء والدعاة.
أن تقرأ لفهمي هويدي، فأنت بصدد كاتبٍ من طـراز خاص، فهو الصحفي الجريء الذي لا تعرف كتاباته الخطوط الحمراء، المثابر الذي كرس جهوده في معالجة إشكاليات الفكر الإسلامي والعربي في واقعنا المعاصر، داعيـًا إلى ترشيد الخطاب الديني، ومواكبة العصر. بمهارة لغوية فائقة وقدرة إنشائية هائلة تنوعت كتاباته بين القضايا المصرية الداخلية التي تناولت الإصلاح السياسي والاجتماعي في مصر، والقضايا العربيــة وعلى رأسهـا القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، كمـا تناول مسألة الصدام الإسلامي – العلماني، وكيف تميزت تلك الكتابات بمحاولات جادة لتحرير الخلاف والدعوة إلى نبذ الغلو في الأفكار والأحكام المسبقة على الجانبين، لعــل من أبرزهـا كتابه "حتى لا تكون فتنــة" الذي بين أيدينـا الآن، ليصبح بذلك من أبرز الكتاب والمفكرين العرب المعاصرين.
(1)
في الباب الأول يشرح لنـا فهمي هويدي "زمن الالتبــاس"؛ كيف نشــأ ذاك الالتبــاس وكيفية معالجته لقيام دولة الإسلام الحضاري، وإذا به يبدأ بمفهوم "الأصولية الإسلامية" وكيف أن مفهوم "الأصوليين" له دلالته المختلفة في العرب عنها في الغرب، فهي عند العرب تعني المتخصصون في علم الأصــول (أصول الدين وأصول الفقه) العارفون بالأدلة الشرعية التي هي آله الاجتهاد وعدته، أما في الغرب فهي طبقة من متشددي البروتستانت لهــا فكرها وكنائسها المعتمدة في الولايات المتحدة الأمريكية وتقوم على دعوتهم على العودة إلى أصول المسيحية الأولى والتمسك بحرفية الكتب المقدسة ويخلطون التعاليم بالخرافات بالأساطير القديمة، بما يعني أن الأصوليين في الخطاب الغربي هم قوم لهم أفكــار وصفات محددة وقسمات مشتركة، لا علاقة لها بواقع الظاهرة الإسلامية متعددة الأفكار ومختلفة القسمات، ومن هنا جاء تشخيص الكتاب الغربيين للأصولية الإسلامية "في ظاهرة سلفية خرافية، غامضة وطارئة، مماثلة كحركة تلك الجماعة الإنجيلية من البروتستانت، فأخذنا عنهم ذاك المصطلح مرددين إياه دون وعي أو علم فكانت الأخطاء الجسيمة بحق الحاضر والمستقبل، إذ يضع المصطلح الكل في سلة واحدة متجاهلاً خصوصية الفصائل والتيارات الإسلامية المختلفة اختلافـًا جذريـًا في الوسائل والأهداف فلا يُعرف الصالح من الطالح، أو المعتدل من المتشرد أو المتطرف."
وبذلك جاء مقال الكاتب "دعوة إلى الفرز" بدعوةٍ إلى رؤية منصفة للواقع الإسلامي، وعدم الخلط بين الفصائل المختلفة في الأسلوب أو الهدف، فالصحوة الإسلامية في عالمنا العربي ليست بالأمر الطارئ أو المفاجئ كما روج له بعض الكتاب الغربيين، و إنما تدافعت موجاتها منذ الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر، وحتى اليقظة الإسلامية في مصر في بداية القرن الماضي على يد جمال الدين الأفغاني، مستدلاً بذلك من آراء الغربيين أنفسهم (لوثروب ستوارد وكتابه "حاضر العالم الإسلامي").
وعن اليقظة الإسلامية في مصر يشرح لنــا فهمي هويدي المراحل الثلاث التي مرت بهــا:
1) مرحلة كانت اليقظــة فيها رأســًا بلا جسم: وقد لمع فيها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وامتداديهما (رشيد رضـا، عبد الرحمن الكواكبي) ولكنها لم تتمتع بجماهيرية بين القواعد بينما اقتصرت فقط على النخبــة.
2) مرحلة كانت اليقظــة فيها رأســًا وجسمـًا: والتي أنشئت على يد حسن البنـا وجماعة الأخوان المسلمين، وقد استطاع البنـا حشد رقعة متميزة من المجتمع المصري حتى أُوقف نشاط الجماعة في الخمسينيات.
3) مرحلة كانت اليقظــة فيها جسمـًا بلا رأس: حيث اتسع المحيط الإسلامي بشدة ولكن اُفتقد القائد، أو التنظيم القائد، أو الفكــر القائد، أو الرمز القائد.
ولمــا كانت تلك المرحلة الثالثة هي التي تعنينا الآن لأن غرسها هو حصاد الغد، فيقول هويدي بأن النشاط الإسلامي في هذه المرحلة كان موزعــًا على دوائر ثلاث:
1) الإسلام غير الحركي وغير المسيس
(الاهتمام بالمسائل العبادية دون الانخراط في أي نشــاط فكـري أو تنظيمي)
2) الإسلام التعبوي والحركة
(مجموع الفصائل والتنظيمات، والمنظمات العاملة على الدعوة الإسلامية)
3) الإسلام العملي
(المؤسسات الاقتصادية ومشروعات الخدمات التي تقدم نفسها باعتبارها جهودًا تطبيقية للمشروع الإسلامي)
وهذه المؤسسات تمضي بدورهــا في اتجاهات أربعــة:
1) الإسلام الانقلابي: إدانة المجتمع بأســره، والدعوة إلى تغييره بأسـره.
2) الإسلام الانتحاري: انتهاج سبيل القوة البدنية والمسلحة والصدام المستمر مع السلطة مندفعين بالرغبة في الاستشهاد.
3) الإسلام الانسحابي: العناية بالأمور العبادية والأخروية دون الحياتية و العملية.
4) الإسلام الحضاري: والذي ينص على أن الإسلام نظام حيــاة ومشروع للمستقبل به تتحقق نهضة الأمة واستقلالها، ويستوعب أبناء الوطن الواحد دونما تفرقة بين مسلمين أو غير مسلمين، وهذا الاتجــاه – كما يقول هويدي – مرهون بتوفير عناصر عدة تتنوع بين إعادة النظر في ترتيب الأولويات لدى المشتغلين بالعمل الإسلامي، وإدراك أهمية العمل التربوي والرسالي (باعتبار أن الإيمان الواعي هو أساس المشروع الإسلامي، وأن تأسيس الفرد المسلم أهم من إقامة الحكومة الإسلامية)، وفتح الحوار على التيارات الفكرية والسياسية الأخرى، وكذلك مد جسور الحوار بين الطوائف غير الإسلامية التي تعيش وسط مجتمعات المسلمين، وتجنب الوقوع في فخ الخلافات المذهبية، وأخيرًا التعاون مع العالم الخارجي من موقع المصلحة والفهم والتعاون المشترك، وليس من موقف الإنكار أو العداء أو الاستعلاء.
في الفصل الثاني ينتقل بنــا الكاتب إلى مفهوم آخــر وهو "الإسلام الوظيفي" أو "توظيف الإسلام" والذي يعرفه بأنه الحضور الحقيقي في الشارع وليس في المسجد (الدين المعاملة)، فالإسلام دين ودنيــا، وهو بذلك يختلف عن المسيحية حيث "إذا كان الفصل بين الدين والدولة يعد جزءًا من الإيمان المسيحي فإن الوصل بينهما جزء من الإيمــان الإسلامي"، ويفند آراءه باقتباسات من الشيخ محمود شلتوت ("الإسلام عقيدة وشريعة") وبعض المستشرقين ("د.شاخت" الألماني، و "فيتز جيرالد" في كتابه "القانون المحمدي") ليعطي مفهومـًا شاملاً كاملاً للإسلام باعتبــاره نظـــام حيــاة، وموضحـًا بأن العبـادة ليست فقط صلاةً وصيامـًا وحجًا وصلةً بالله، وإنمــا هي كل عمل صالح يؤديه المرء وكل سلوك قويم يباشره.
ويأسف الكاتب لإهمال السلطة لتلك الغاية السامية من توظيف الإسلام معزيــًا ذلك إلى التردد والتوجس من ناحية، وإلى المنظور الأمني الذي قُرئت به الظاهرة من ناحية أخرى، وربمـا تحميل المشروع الإسلامي بأخطاء وخطايا التطرف المنتسب إلى الإسلام. ثم يعقد مقارنةً بين التوظيف الإسلامي في الماضي (الإخوان المسلمون وما قاموا به من مشاريع اقتصادية لتنمية الثروة القومية وحمايتها وتحريرها) والحاضر (السبعينيات حيث الانفتاح والتفسخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي وكثرة الأموال في أيدي الناس) مستشهدًا كيف استقطب الخطاب الإسلامي لهذه المشروعات آنذاك جمهورًا عريضــًا أكثره لا يعرف شيئًا عن التجارة أو الاستثمار أو معاملات المصارف فكانت النتيجة أن انحرف مفهوم التوظيف الإسلامي فكانت كلمة "حلال" و "التعامل بغير ربـا" هي كلمة الســر لجذب الناس والدعوة إلى قلوب الخلق بحجة "الجمع بين الحُسنيين" أي بين الربح الوافر والدين، لذا يدعو فهمي هويدي إلى تصحيح مسار التوظيف الإسلامي وليس قطع الطريق عليه كما يريد بعض المتشددين لأن يفعلوا، متهمــًا إياهم بأنهم يخطئون الواقع والتاريخ، وحتمًا خاسرون ومهزومون.
يعيدنــا فهمي هويدي إلى "نظرية الالتبــاس" مرة أخرى في الفصل الثالث "صحوة أم كبـوة" واصمــًا زمننـا الحالي بأنه زمن الالتباس الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، والصواب والخطـأ والحلال والحرام، فأفرز جيلاً من الشباب حائرين ما بين هذا وذاك. وقبل أن يحدثنـا عن أسباب ذلك الالتباس الحاصل اليوم ينبهنا إلى ضرورة المعرفة بأمرين: أولهمــا أن رؤية الظاهرة الإسلامية والحكم عليهـا يتأثران كثيرًا بالزاوية التي يقف عليها الرائي أو المشاهد، فهناك من يراها في العنف المادي، وهناك من يراها في العنف الفكري، وهناك من يراها في ظاهرة الدراويش، أو المتاجرين بالدين والنصب على الناس، أو هؤلاء المعتدلين المتحلين بالفضائل السلوكية والعملية والذين يمثلون طليعة التغيير التي تبشر بكثير من الأمل. لذا يرى هويدي أنه من الخطــأ الفادح التعامل مع ظاهرة الصحوة الإسلامية بـــ"تطرف"، أي تشخيص الأمر من زاوية واحدة دون اعتبارٍ للزوايا الأخرى أو إمكانية أن تكون للصورة مكونات وظلال أخرى، وكذلك التحقق مما هو قاعدة أو استثناء، أو سوي أو شـاذ.
أما الأمر الثاني فيتمثل في عمق الآثار المترتبة على القيد القانوني الذي يحول دون إنشــاء تجمعات سياسية على أساسٍ ديني في مصر، الذي يؤدي ليس فقط في انتشــار التجمعات السرية وإنمــا يحجب تيــار الاعتدال والوسطية وبالتالي يفتقد إلى الكيان القانوني والشرعي المعبر عنه، ليظــل ممثلاً في أفرادٍ مبعثرين محدودي الجهد والطاقة وفرصتهم في إبراز أنفسهم ضئيلة ومعدومة، ومع التناول الإعلامي البغيض لمثل هذه الأمور نرى التطرف هو الأصل، والاعتدال هو الاستثناء، وقلة رموز الاعتدال وغيبتهم في مقابل تجمعات التطرف، وهنــا يكمن الالتبــاس، ومع تدقيق النظر يشير فهمي هويدي إلى أمور أخرى في هذا الصدد لا يُخفى أهميتها تتمثل في:
1) عدم وضوح المنطق الأساسي للتعامل مع الظاهرة الإسلامية (هل المطلوب تصحيح الظاهرة أم تصفيتها؟)
2) عدم وضوح الأحجام والأوزان الحقيقية لتيارات الظاهرة الإسلامية وفصائلها (عدم معرفة ما الذي يجب أن يُهمل شأنه، وما الذي ينبغي أن يؤخذ مأخذ الجد من تصرفات الإسلاميين)
3) الأخطاء والخطايا التي يمارسها بعض الإسلاميين، وبالتالي تسهم في تشويه الظاهرة الإسلامية وتنفير الناس منها.
4) التناول الإعلامي للظاهرة الإسلامية (افتقاد الإنصاف والحيدة)
5) الفوضى الفكرية، حيث خاض في الإسلام كل من هب ودب من الكتّاب، فازداد الناس اضطرابــًا وحيرة.
6) الفراغ الفقهي، ويُعزى إلى سكوت العلماء الأزهريين على كل تلك المهازل.
كيف يكون الحل الإسلامي؟ وإلى أين يقودنا؟
هكذا تساءل هويدي في الفصل الرابع "الحل الإسلامي" الذي يعرّفه نظريــًا بـــ"تدبير شئون الخلق وفقــًا لتعاليم الإسلام، أو استلهامــًا لقيمه، بما يحقق المصالح والمقاصد المعتبرة في الدنيــا والآخرة". وهو في تعريفه هذا يستند على اقتباسات متعددة لفقهــاء عديدين أمثال ابن القيم في كتابه "أعلام الموقعين" والمعز بن عبد السلام والشاطبي وغيرهم. ثم يفترض هويدي واقعيــًا خمسة تصورات للحل الإسلامي هي:
1) مستوى حضــاري، يتعامل مع الحل الإسلامي بحسبانه الصيغة الوحيدة التي تكفل للأمة استقلالها في وعـاء حضاري متميز، يثبت خصوصية الأمة ويرد إليها ذاتها واعتبارها، ويعتقها من أسـار الانسحاق والتقليد (دعوة جمال الدين الأفغاني إلى الثورة والتمرد على سلطان الآخر).
2) مستوى أصولي، يرى في الحل الإسلامي إحياءً لحقيقة الدين، واستدعاءً للتعاليم لتحتل مكانها الحاكم في المجتمع، بحيث يتجاوز التدين حدود العلاقة القلبية بالله سبحانه وتعالى إلى محيط الواقع المعيش فيُترجم إلى مواقف وسلوكيات ونُظم تضبط إيقاع الحيــاة (محاولات الإحياء الديني على يد الشيخ محمد عبده وتلاميذه، والأستاذ حسن البنــا وجماعة الإخوان المسلمين مع الفارق أن الجماعة نقلت دعوة الإحيــاء من مجامع المثقفين ومنتدياتهم إلى الشارع، ثم محمد الغزالي الذي تبنى الإحياء الواعي للدين في كل الأقطار العربية والإسلامية، وانتهاءً بيوسف القرضاوي و"تيار الوسطية الإسلامية")
3) مستوى اعتقادي، يرى ضرورة أن يرتكز الحل الإسلامي أولاً على سلامة الاعتقــاد (كان سيد قطب هو أول من طرح هذا الرأي من المعاصرين)
4) مستوى تشريعي، يتصور الحل الإسلامي دعوة للالتــزام بالنظم القانونية التي جاء بهــا الإسلام في كافة المجالات المدنية أو الحياتية، أو الأحوال الاقتصادية أو في الميدان الاقتصادي.
5) مستوى عبادي أخلاقي، يتصور الحل الإسلامي صيغة لتوثيق الصلة بالله وحصنـًا يحمي الأخلاق والفضائل، وسبيلاً إلى مقاومة البدع وتطهير الاعتقاد من الانحرافات ومختلف صور الضلال (الجمعية الشرعية، الطرق الصوفية، بعض التيارات السلفية)
ومن هنـا لا يرى هويدي أية مبالغــة في القول بأن كلا "المستويين الحضاري والأصولي في فهم الحل الإسلامي هما الأقرب إلى التعبير الصحيح عن رسالة الإسلام وروحه"، وأن الحل التشريعي (الاعتقادي، والتشريعي، والعبادي الأخلاقي) "يغدو اختزالاً لمفهوم الحل وابتســارًا منكورًا للشريعة المُنزَّلة"، مستشهدًا بالنهج الذي اتبعــه الرسول – صلى الله وعليه وسلم – في دعوته إلى "الحل" في المجتمع الإسلامي الأول، إذ تم تطبيق الحل على مرحلتين: مكية (13 عامـًا) وفيها انصب الجهد على تطبيق الإسلام على المستوى الفردي، ثم المرحلة الثانية، مدنيــة (10 سنوات) وفيها جرت إقامة الدولة ونزلت التكاليف وشُرعت الحدود. ثم يخلص هويدي إلى الأصل في كيفية الحل الإسلامي موعزًا إيــاه إلى اتبــاع مبــدأ "الشـــورى" (إعمال التطبيق في المجال السياسي) والذي يثبت قيم الحرية والديمقراطية، ويحقق التقدم بعد ذلك في أمان، مؤكدًا على خلخلة البنــاء الإسلامي في العصر الأموي إثــر عدم تطبيقهم لذلك المبــدأ.
ينتقل بنــا فهمي هويدي إلى "هؤلاء الدراويش" المنصرفين عن تخصصاتهم الحياتية المختلفة مفضلين عليهــا حياة "الدروشــة" وانحصــار اهتماماتهم في فرعيات الفروع الدينية المختلفة (آداب الحج والعمرة، علامات الساعة، حكم تارك الصلاة، صحة أحاديث المهدي المنتظر) وذلك بحجة التقرب إلى الله والتعبد له، ثم يستعرض آراءً للشيخ محمد الغزالي في كتابه "مشكلات في طريق الحياة الإسلامية" يحث فيها على ضرورة الاهتمام بالميادين الحياتية المختلفة والانصراف عن تلك القراءات التخصصية في الدين التي هي ليست بالمطلوبة منه، وإنما التركيز فيما يعمله ويدرسه من مختلف العلوم الدنيوية المفيدة التي تعود على مجتمعه بالتقدم والرقي والحضــارة، ويعقب أنه "يستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالاً بالدنيــا عجزة عن الحيــاة".
ثمة أمــرٍ يحدثنا عنه هويدي ألا وهو إجهاض الظاهرة الإسلامية، إذ يتحقق من خلال بابين بالدرجة الأولى: الخلاف المذهبي (الشيعة والسنة، الوهابية والأباضية، الأباضية والزيدية) والدروشــة، وتلك الأخيرة تعمل على تفريغ الظاهرة الإسلامية من مضمونها الفاعل، وتحولها إلى ظاهرة انسحابية، ويراها هويدي في ظروفنا الراهنة خطــرًا أشد، حيث يعتبره من قبيل صرف الجهد فيما لا ينفع، لا في الدنيـــا ولا في الآخرة (ويسوق الأدلة على العبادة ومفهومها الشامل الأعم لشيخ الإسلام ابن تيمية، ويوسف القرضاوي) ثم يستطرد ليوضح لنـا أسباب شيوع تلك الظواهر الغريبة البعيدة عن روح الإسلام ورسالته الشاملة في الحيــاة.
في الفصل السادس، يحدثنـا فهمي هويدي عن الحقوق الصغيرة، داعيــًا إيانـا إلى ممارسة حق المواطنة في أصوله الواجبـة، بما يكفله لنــا القانون الوضعي وميثاق حقوق الإنسان، وتمتد دعوته لتشمل أيضـًا التصحيح، وذلك من منطلق تكليف شرعي أضعناه في غمرة الاهتمام الزائد بالحقوق السياسة والمدنية، والتي على قدر أهميتها إلا أنها ليست بأشد أهمية من القانون الإلهي؛ إنها دعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يتساءل عن أسباب انصراف أغلب الفقهاء عن العناية بهذا الأمر حيث ظل جل تركيزهم على إنكار ظلم الحكام والولاة، ومكافحة المعاصي والبدع، ويعزيهـا أيضـًا لاختفاء وظيفة "المحتسب" الذي أنيطت به كل هذه الأمور في بكورة العالم الإسلامي. يذكرنــا بالشيخ محمد الغزالي وما كتبه في هذا الصدد تحديدًا وما ضربه من أمثلة عديدة للمكروهات التي يجب النهي عنهـا حتى تستقيم حياة المسلمين وتتيسر لهم سبل المعاش، وقد احتلت منكرات الأسواق والشوارع الصدارة. ثم يتساءل عن انصراف الناس في زماننا وقلة مبادراتهم مرجعــًا إياها إلى تراكمات عديدة أقنعت الناس بأن دورهم غير مطلوب أساسـًا، وأن التمسك بالحقوق أيا كانت تجر عليهم متاعب لا قِبــَل لهم بهــا، وبالتالي لا مفر لهم سوى الرضــا والسكوت.
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينقلنـــا فهمي هويدي إلى "الإسلام الاجتماعي" في الفصل السابع، فثمة علاقة بين التدين والرقي، وبينمـا نفاجـأ نحن الآن بما هو نقيض ذلك تمامــًا، إذن نحن بصدد خللٍ ما يحتاج إلى تصحيح. يرى هويدي أن استنقاذ الإسلام الاجتماعي لا يعني إسقاط دور الإسلام في البنـاء السياسي، فهدف الإسلام يؤسس صلاح المجتمع على صلاح الفرد، ويقيم حكومة إسلامية في قلب كل مسلم قبل أن يقيمها في أرض الواقع الإسلامي، وحيث أن للإسلام شعبتين لا توجد حقيقته ولا يتحقق معناه إلا إذا أخذت الشعبتان حظهما من التحقق والوجود في عقل الإنسان وقلبه وحياته: العقيدة والشريعــة (الإيمان والعمل الصالح كما فسرها الشيخ محمود شلتوت) يدعونا هويدي إلى إعادة ترتيب الأولويات فنوجه الاهتمام الواجب للأساس الثاني – بعد العقيدة .. والذي يُشيد عليه البنــاء كله، فلا قيامة للإسلام السياسي بغير الإسلام الاجتماعي في المقام الأول، ومن هنا جاءت النهضة موزعـةً بين مدرستين: التغيير السياسي على يد جمال الدين الأفغاني، والعمل الاجتماعي الإصلاحي على يد الإمام محمد عبده.
و بينما يتطرق هويدي لانتقاد بعض السلوكيات الاجتماعية البغيضة كالعبوس، وعدم الحرص على النظافة، وسلاطة اللســان، والنفاق، والغش، والفحش والبذاءة، والكِبْر، وقطع الرحم، والإسراف والتبذير، والانصراف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من الأمراض الاجتماعية المتفشية في مجتمعاتنا، حتى يتساءل عن أسباب ذلك التفسخ الاجتماعي: أهو عجز التعاليم؟ أو عجز الناس؟ أو عقم التوجيه والترقي؟ ويخلُصُ إلى الخيار الثالث شارحًا كيف يتم ذاك التوجيه عبر قناتين: الجهد الحكومي (التعليم والإعلام) والجهد الأهلي (توزع على يد الطرق الصوفية والتربية السياسية)، دون أدنى اهتمام بالتربية الاجتماعية (باستثناء تجربة الإخوان)، ومتعللاً بأن الناس على ما تربوا عليه وهيئوا له، فإن تربوا على القعود قعدوا، وإن تربوا على النهوض نهضوا.
واستكمالاً للحديث عن الإسلام الاجتماعي ينبهنـا فهمي هويدي في الفصل الثامن إلى "الطاقة المعطلة المهدورة"، ألا وهي المساجد، وما يمكن أن تحرزه من تقدم إذا ما اُستخدم ثقلهـا وتأثيرها في الدفاع عن ذلك المجــال (تجربة الشيخ سراج في مسجد بروكلين بالولايات المتحدة) على كثرة عددها وانتشارها في كل مكان، وإعمارها الدائم بالخلق لأداء صلواتهم المفروضة، أو صلاة الجُمع، وهؤلاء الراغبين في التعلم والإفادة والاستجابة إذا ما توافر لهم الخطباء المناسبين الذين يخاطبون ضمائرهم بعلمهم ووعيهم.
ثم يعدد تاريخ المساجد في ميلاد دولة الإسلام (عن مؤلفات المستشار عبد الحليم الجندي، ومجموع الفتاوى لابن تيمية) وحتى العصر الحالي، من الأربعينيات ومنتصف الخمسينيات خاصـة، حيث كان صوت رواد الأزهر يعلو ويصدح في جنبات القاهرة، مرورًا بتأثر تلك المسيرة بالصدام بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين الذي ألقى بظُلله على مجمل النشاط الإسلامي في مصر، حتى غرس بذور الشك في كل عمل إسلامي عام، وسيادة الـتأثر بالفكــر الغربي (الاشتراكية، والعلمانية، واليسارية)، وانتهاءً بظهــور الجماعات المتطرفة في أوائل السبعينيات والتي أدت بدورها إلى تزايد التضييق على المساجد، فخرج المسجد عن تأثيره الثقافي والاجتماعي خصوصًا مع تدهور حال الخطباء والدعاة.




