THOUSANDS OF FREE BLOGGER TEMPLATES

Search This Blog

October 24, 2010

مقتنيــات وســط البلـــد


مقتنيات وسط البلد ..
عندمــا تصبح الأماكن شاهدًا على التاريخ


في كتابه "مقتنيات وسط البلد" يأخذنا مكاوي سعيد في رحلة بديعة تشابكت فيها الأحداث مع الأماكن والشخصيات – العامــة منها وغير العامــة – لتصنع تاريخـًا خاصــًا بهذا البلــد .. حكايات وروايات متنوعة يصيغهــا إلينـا مكاوي سعيد بأسلوب سلس وشيق يغريك على التهامهــا قراءةً وتفسيــرًا وتمعنــًا .. أناسٌ قد رماهـا الزمان وبعثرهـا .. فمنهم من أصابتهم لوثة الجنون جراء ما عانوه من انكسارات بعد انتصارات سابقــة، ومنهم من مــات أو ابتعــد، و منهم من اتخذ الجنون مذهبــًا كوميديـًّا ساخرًا يجذبك وتتسع بسببه حدقة عينيك من فرط إثارتهـا وجنونهـا، ومنهم من يتمتعون بالاستقرار ولكنهم فضلوا عليها حياة التصعلك والعربدة، ومنهم من تفاعل مع مقدرات الزمن مسايرةً للعالم من حوله فيتحولون عن مبادئهم القديمة ليتبنون مبادئ أخرى أكثر تفاعلاً مع العصر الذي يعيشون فيه، من "المصالحة العالميــة" إلى حب المصلحة والفهلوة والاختلاس وكيف أصبح الناس لا هم لهم سوى المــال والمـال والمــال بأي طريقة كانت، ومنهم من أدارت لهم الدنيــا ظهر المجن مرات ومرات فيستقبلونها بالصمت والتأمل في أحوال الزمان والعبــاد، أو متشبثين ببصيص الأمل على غرار "المراكب لسة ماجتش" وأن الفرج حتمــًا قريب. إنها التركيبة المصرية العجيبة التي تقابل محنهـا وآلامهــا بالضحك والابتســام والتفاؤل والأمــل في الغــد.

في وسط البلد، تلعب الخرافة أيضــًا دورهــا، وتقابلنــا نماذج عدة لأشخاص غريبي الأطوار يعبرون الزمن على سجيتهم ويصنعون عالمهم الخاص وأفكارهم الخاصة حتى وإن كانت شــاذةً وغير مألوفة. هنــاك من لفظتهم الحيــاة على أرصفة الطرق يعانون الاضطهاد ممن هم أعلى منزلةً وأكثر مالاً ودائمـًا مثـار سخرية الجميع، وتقابل هؤلاء العابرون في الشوارع والممرات ثم يختفون بلا أي أثر يُذكر وكأنهم قد ابتلعهم الزمن في غياهب جُبــِّه، وترى هؤلاء البسطــاء المؤثرين في زخم الحيــاة ويتمتعون بشعبية جارفة هنــاك .. كلهــا نماذج اتحدت وتشابكت لتصنع بذلك نسيجــًا فريــدًا من المجتمع المصري على مــر العصـور و الأزمــان.

لا ينسى كاتبنــا أن يصطحبنــا إلى عالم الصالونات الثقافية التي انتشرت آنذاك وما شهدته من أمسيات شعريــة ومناقشــات سياسيــة ومجادلات عن الفن والمسرح والسينمـا والغنــاء عبــر بانورامــا تاريخية متنوعة من أشهر الأماكن في وسط البلد وما حل بهــا من تغيير جذري في عصورنــا الغابــرة الآن، من ميادين عابدين، ومصطفى كامل، وباب اللوق، والأزبكية، وعرابي، والخازندار، إلى شوارع الفلكي، وقصر النيل، وطلعت حرب باشـا، وشارع شريف، وهدى شعراوي، وشمبليون، ومحمد فريد، وعماد الدين، إلى أســواق باب اللوق، والعتبــة، ومحطة مصــر، إلى فنادق الكوزموبوليتان (ميتروبوليتان سابقــًا) ووندسر، والكونتينيتال، وبنسيون ميرامار (كان مأوىً لبعض الفنانين في بداياتهم)، إلى مطاعم حسن الحاتي، والتابعي وآخر ساعة أشهر محلات الفول والطعمية، إلى الأماكن الثقافية من دار الأدبـاء، وأتيلييه القاهرة (القائم أساسًـا على تشجبع الفنون الجميلة والآداب بأنواعها واتجاهاتها وإقامة الندوات والمحاضرات والحفلات الموسيقية)، وجمعية نقاد وكتاب السينمـا، وجمعية محبي الفنون الجميلة، والمركز الكاثوليكي المصري للسينمــا.

يحدثنــا عن مقاهي سفنكس، وركس، وإيزافيتش، والحرية، وريش، وجروبي، وقد تأسس بعضهـا على أيدي اليونانيين والفرنسيين والإيطاليين والأرمن آنذاك .. يروي إلينـا كيف كانت بمثابة بورصة الفن في الأربعينيات والخمسينيات (مقهى ركس)، وكيف شهدت أحداثــًا سياسية جليلة فكانت أول داعيـة إلى الديمقراطية في مصر إذ جلس فيها الأرستقراطي الشركسي النشــأة مع ابن الفلاح الفقير يتحاوران ويتحمسـان لمصر (جروبي)، وكان لبعضها دور في نشر مطبوعات ثورة 1919 وإقامة التظاهرات في السبعينيات (مقهى ريش)، هذا فضـلاً عن اعتبارها ملتقىً لكبار الكتـاب من الأدباء والصحافيين والشعراء والفنانين، المشهورين منهم (أمثال نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ونجيب سرور، وكامل الشناوي، وأمل دنقــل، وصلاح جاهين، والسادات، وأم كلثـــوم، ورشدي أباظة، وشكري سرحان) والمغمورين الطامعين في فرصة مــا تبرز مواهبهم وتضعهم على أول الطريق لتحقيق أحلامهم، مع انتقــاد واضح لمــا حل بهــا من تغيرات فمنها ما تحول إلى عقارات، وجراجات سيارات، ومطاعم "فاست فودز"، ومحلات تجاريـة، وكذلك مراكز ثقافية متطورة لتعليم اللغــات.