ذات يــوم من أيــام مارس .. جلست أمارس هوايتي المعتــادة في قراءة الشعــر وكتب الأدب بينما أستنشق هواء بحــر الإسكندريــة خالص النقــاء .. ويسحرني هدير موجــاته .. ويداعبني نسيمه البــارد العليـــل .. و تحوم فوق رأسي طيور النورس مغــردةً بأصواتها الشجيــة الرنانــة .. لتصنع بذلك سيمفونيـة رائعــة الألحــان تتخلل داخل روحك وتبعث عليهـا بالسكينة والهدوء !!
أتأمل .. وأتأمــل .. وأتأمـــل .. أغوص في أعماق هذا البحــر الممتد عبـــر الأفق البعيــد .. وأذوب مع صوت ارتطــام أمواجــه بالصخــور .. فيتطاير الرذاذ على وجهي .. وتسري القشعريرة ببدني لتبعث في نفسي نشــوةً ذات مذاق خاص .. تسمــو بروحي لتسبح معــه وتحلق بعيــدًا إلى Never Never Land !
شيء مــا أغار على تلك اللحظــة الفريــدة من الالتحــام الكوني .. أبصرته يبــرق من بعيــد .. هرولت إليــه .. ما هذا الشيء يا ترى؟ .. دنوت منــه .. ارتسمت على وجهي علامات الدهشــة .. كان مصباحــًا ذهبيــًا غريب الشكــل .. مددت يدي لتلتقطه .. أخذت أتأملــه .. وأنظف ما علق به من زبــد البحــر .. شيء غريب يحدث .. يرتــج المصباح بين يدي بقــوة أمنعتني من السيطـرة عليــه .. فزعت .. رميتــه بعيــدًا .. تراجعت بضع خطواتٍ للخلف .. فإذا ببخــار كثيف يخرج ويحــوم حولي .. ليُشكل كائنــًا هلاميـًا غريب الملامح .. صرخت:
- ا..ا..ا..انت مين؟
- شبيك لبيك .. عبدك وملك إيديك!!
- عايز مني ايه؟
- انتي اللي دعكتي المصباح .. يبقى انتي اللي عايزاني!
- يعني ايه؟
- يعني ليكي عندي 5 أمنيــات أحققهم لك بالتمــام والكمــال!!
- بجد حا..حاتقــدر تحقق أمنياتي؟
- جربي وشوفي!!
- أوكي .. مـ..موافقــة
- ها .. ايه أول أمنياتك؟
- نفسي أروح دريم بارك
- طلبك مجــاب!
- استنى بس هنروح إزاي كدة؟
- بسيطــة جدًاااا ..
تك تك تك ....
وكشف جني المصبــاح عن بســاط عريض مزخرف بألوانٍ زاهيــة خلابــة تداخلت ألوانها وكأنها حديقة غنيــة بمختلف ألوان الزهــور والنباتات .. ذهلت .. لكن سرعان ما أفقت من ذهولي فجلست على البســاط .. وفي ثوانٍ معدودة انطلقنــا عبر الفضــاء الفسيح .. كان البســاط يتأرجح بنــا في حركات بهلوانيــة رشيقــة اندمجت معهـا وسعدت بهـا .. فلطالما كان الطيران والتحليق في الفضــاء من أعظـــم أمنياتي.
اقتربنــا من الهدف .. ترجلت عن البســاط .. وتركت نفسي لأمرح وأمرح بين أرجاء دريم بارك .. لعبــة هنا .. ولعبــة هنــاك .. حتى لمحت أخيرًا ذاك العرض المسرحي على مسرح دريم بارك .. دخلته وجلست على المدرجات لأشاهد تلك الرقصة الاستعراضية على أنغــام "عالدلعونـــة" .. اندمجت معهم .. وبتُ أتمايل يمينًا ويســارًا ولم أشعر بالوقت يمــر حتى فاجأني جني المصبـاح بربتـةٍ على كتفي.
******************************
- عارف يا جني أنا نفسي في ايه دلوقتي؟
- نفسك في ايه؟
- نفسي أبقى عازفة بيانو مشهورة وليـا أوركسترا كدة زي عمر خيرت
- بس كــدة؟ .. أمرك مطـــــــاع
تك تك تك ....
انفرج المشهد عن قاعــة كبيــرة من قاعات دار الأوبــرا .. مع طاقم الأوركسترا الفخــم .. وجماهير عريضــة امتلأت بهــا القاعــة .. قدمني أحد المذيعين للجمهــور .. وتعالى التصفيق والترحيب .. وجلست على البيانــو .. وأعلن المايسترو إشـارة البدء .. ثم بدأت العــزف .. كان العــزف لمقطوعــة موسيقية باسم "فاطمــة" لموسيقاري المميــز عمــر خيــرت .. تركت لأصابعي حريـة العــزف على البيانــو .. حيث انتقلت بروحي إلى عوالــم خفيــة لا أدري ماهيتهـــا .. ولم أشعــر بنفسي إلا مع التصفيق الحــاد للجماهير فور الانتهــاء من مهمتي .. انحنيت أشكرهم .. ثم أُسدل الستــار وأنا في حالة من عدم التصديق لما حدث تــوًا .. أتراه حلمـًا أم علمــًا يا ربي؟
- لأ .. علــــــــــم
- أتمنى كدة فعــلاً يا جنــي!
******************************
- نفسي أشوف أصحابي .. وحشوني أووي ولاد الإيـه
- يا سلااام!! .. يعني جيتي في جمــل
- ايه ده بجد؟ هتخليني أشوفهم ونقضي يوم ممتع مع بعض
- الساعة كام دلوقتي؟
- 9 إلا خمسة الصبح
- بعد 5 دقايق تليفونك هيرن
- انت بتهزر والا ايه؟
لم يرد .. بل اكتفى بنظــرة تحــدِ رمقني إياهـا .. وفي تمام الساعة 9 حدثت المعجــزة .. رن جرس الهاتف فإذا بصديقتي تدعوني لقضــاء يوم مع بعضنا البعض مع بقية "الشلــة" .. رحبت بذلك طبعــًا واتفقنـا على كل شيء من المكــان والزمــان .. كان الاجتماع في أحد المولات التجارية الفخمـة بالقاهــرة .. بدأنا جولتنـا بالسينمــا لمشاهدة فيلم حلمي الجديد .. وبعد أن انتهينـا من المشاهدة .. توجهنـا إلى أحد الكافيهـات لتناول الغداء واحتساء ما لذ وطاب من المشروبات .. تبادلنـا أطراف الحديث مع استرجاع للذكريات التي جمعتتنا سويـًا .. وبالطبع لم يخلُ النقاش المحتدم بيننـا في أمور دنيانـا من الضحك والمــزاح وإطلاق النكــات .. انفتح النقاش بيننـا على أفكـار لمشاريع جديدة نفيد بهـا أنفسنـا وبالتالي تعــود بالنفــع على بلادنـا .. ونكـاد نكون قـد اتفقنـا على ما وجب تنفيذه .. ثم اختتمنـا لقاءنــا بتمشية ليليــة على النيــل.
******************************
- حقيقي عجباني الفكرة اللي طرحناها النهاردة مع أصدقائي .. يس يا ترى التنفيذ يبقى إزاي؟
- احنـا فيهــا على فكــرة
- بسم الله الرحمن الرحيم .. هما بيطلعوا امتى؟
- دلوقتي .. هههههه
- وهتساعدنـا إزاي بقى حضرتك؟
تك تك تك ....
انفرج المشهــد عن مشروع مكتبــة ثقافيــة علميــة متعددة الأقســام .. تضم الآلاف والآلاف من الكتب وأمهات الكتب في السياسة والاقتصــاد والتاريخ وعلــوم الدين والشريعــة والقانـون والعلــوم البحتــة والفضـاء والفلك وعلوم الإدارة وعلوم الحاسب وعلوم اللغــة والآداب والفنــون .. وترجمــات عربيــة وعالميــة .. وبعض الوسائل التعليميــة .. تراني أمشي مشدوهــةً بين أرجــاء المكتبــة حتى كدت أتــوه بين معالمهـا ورفوفهـا المكتظــة بالكتب والرسائل العلمية والثقافية.
- أنا مش مصدقة بجد معقـولة كل ده حصل؟!
- ومش معقــول ليــه؟
- بجد بجد مش عارفــة أشكرك إزاي .. ده كان حلم عمــري .. والحمد لله شفته اتحقق قدامي أهو!!
- أنـا عبدك وملك إيديكي
******************************
- عارف عايزة اعمل ايه تاني؟
- هممممم؟
- أقدم حاجة لبلدي
- زي؟
- منظر الزبالة في الشوارع مسيء جدًا .. ومش معقول دولة بحجم بلدنـا تكون بالشكل القذر اللي هي عليه ده أبــدًا ..
نفسي أعمل حاجة بجــد ترجع جمــال بلدنــا ورونقهـا
- اممممم .. المهمة صعبة بعض الشيء بس مش مستحيلة
- وأنـا مستعــدة
- بس خلي بالك .. دي آخــر أمنية ليكي
- يبقى ختامها مسك
تك تك تك ....
انطلقنــا على البســاط السحــري نجــوب أنحــاء البلاد من شرقهــا لغربهــا وإلى شمالهـا وجنوبهــا وسواحلهــا وأواسطهــا ودواخلهــا وخوارجهــا .. يبــخ الجنـي أنفاثـه على أماكن جمع القمامة .. فتختفي تلال القمامة في لمــح البصــر ليحـل محلهـا أماكن أكثر نظافـةً وجمالاً.
******************************
- انتي فين يا بنتي عمالين بندور عليكي؟
- هـا؟؟
- بقولك بتعملي ايه هنا؟
- كنت بأكلم البحــر
- وايه الإزازة اللي في إيدك دي؟
تبسمت .. ثم قالت:
لاااااا دي حكاية طويلة أووووي هأبقى أحكيهالك بعدين!!
تمـــــــت




2 التعليقات:
رائع بجد :)
والموسيقى سلبتنى نفسى وأودعتها فى أحضان ذلك الجنى
لكن تعرفى كان الموضوع هايكون أجمل لو كان نقاشك مع الجنى بالفصحى
فكرة التنقل من الفصحى للعامية والعودة مرة أخرى بتسببلى إضطراب ذهنى وتشويش على جمال الكلمات
لكن بجد موضوع جميل واستمتعت وانا بقرأه كلمة كلمة :)
على فكرة انا نادراً ما أقرأ موضوع بأكلمه
أسأل الله أن تكونى بخير حال يا أختى وأن أراكي قريباً وحلمك الجميل يصير واقعاً وحياة فعلية
المهم تبعتيلى دعوة على الإفتتاح ان شاء الله :)
السلام عليكم
مصعب .. يا هلا يا هلا :D
أشكرك يا مصعب الله يخليك بجد :)
بالنسبة للعامية أنا عن نفسي والله بحب أكتب جدًاا بالفصحى .. لكن في الحوار بالذات بحس إنه أنا بأقدر أعبر أكتر بالعامية عن الفصحى :))
والحمد لله أنا بخير .. نحمده ونشكر فضله سبحانه على كل حال :))
شكرًا لسؤالك
ولا تقلق إن شاء الله .. ده انت من أكبر المساهمين يعني :D
أمال مين اللي هيفيدني في كتب الشريعة والقانون والشعر والأدب :D
نورتني يا مصعب :))
Post a Comment